تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
إلى حضرة الرّسول - عليه الصلاة والسّلام - ليتفقهوا في الدّين ، وليعرفوا الحلال والحرام ويعودوا إلى قومهم ؛ فينذروا ويحذروا قومهم ، لكي يرجعوا عن كفرهم ، وعلى هذا فالمراد وجوب الخروج إلى حضرة الرّسول للفقه والتعلّم . فإن قيل : أفتدلّ الآية على وجوب الخروج للتفقه في كلّ زمان ؟ . فالجواب : متى عجز عن التفقه إلّا بالسّفر ؛ وجب عليه السّفر ، وفي زمان الرسول - عليه الصلاة والسّلام - كان الأمر كذلك ؛ لأنّ الشريعة ما كانت مستقرة ، بل كان يحدث كل يوم تكليف جديد ، وشرع حادث . وأمّا الآن فقد صارت الشريعة مستقرة ؛ فإذا أمكنه تحصيل العلم في الوطن لم يجب السّفر . قوله :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ
« لولا » تحضيضية ، والمراد به الأمر ؛ لأنّ « لولا » إذا دخل على الفعل كان بمعنى التحضيض مثل « هلّا » ؛ لأنّ « هلّا » كلمتان « هل » وهو استفهام وعرض ؛ لأنك إذا قلت للرّجل : هل تأكل ؟ فكأنّك عرضت ذلك عليه ، و « لا » وهو جحد ، ف « هلّا » مركب من أمرين : العرض ، والجحد . فإذا قلت : هلا فعلت كذا ؟ فكأنك قلت : هل فعلت . ثم قلت معه « لا » أي : ما فعلت ، ففيه تنبيه على وجوب الفعل وتنبيه على أنه حصل الإخلال بهذا الواجب ، وهكذا الكلام في « لولا » لأنك إذا قلت : لولا دخلت عليّ ، ولولا أكلت عندي ، فمعناه أيضا عرض وإخبار عن سرورك به ، لو فعل ، وهكذا الكلام في « لوما » ومنه قوله :
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ
[ الحجر : 17 ] ف « لولا » ، و « هلّا » و « لوما » ألفاظ متقاربة ، والمراد بها : الترغيب والتحضيض . و « منهم » يجوز أن يكون صفة ل « فرقة » ، وأن يكون حالا من « طائفة » ؛ لأنّها في الأصل صفة لها . وعلى كلا التّقديرين فيتعلق بمحذوف . والذي ينبغي أن يقال : إنّ
« مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ »
حال من « طائفة » و « منهم » صفة ل « فرقة » . ويجوز أن يكون
« مِنْ كُلِّ »
متعلقا ب « نفر » . وفي الضمير من قوله « ليتفقّهوا » قولان : أحدهما : أنّه للطّائفة النّافرة . والثاني : للطائفة القاعدة ، والضّمير في « رجعوا » عائد على النّافرة . قال ابن العربي ، والقاضي أبو بكر ، والشيخ أبو الحسن : « إنّ الطّائفة ههنا واحد ، ويقضون على وجوب العمل بخبر الواحد ، وهو صحيح ، لا من جهة أن الطائفة تطلق على الواحد ولكن من جهة أنّ خبر الشخص الواحد أو الأشخاص خبر واحد ، وأنّ مقابله وهو التّواتر لا ينحصر » . قال القرطبي : « أنص ما يستدل به على أنّ الواحد يقال له : طائفة قوله تعالى :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
[ الحجرات : 9 ] أي : نفسين ، بدليل قوله :
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
[ الحجرات : 10 ] فجاء بلفظ التثنية ، وأما الضمير في : « اقتتلوا » وإن كان ضمير جماعة فأقل الجماعة اثنان في أحد القولين » .