تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
أمّا الأول فنقل عن ابن عبّاس أنّه عليه الصلاة والسّلام كان إذا خرج إلى الجهاد لم يتخلّف عنه إلّا منافق أو صاحب علة . فلمّا بالغ اللّه تعالى في عيوب المنافقين في غزوة تبوك قال المؤمنون : واللّه لا نتخلّف عن شيء من الغزوات مع الرسول ، ولا عن سرية . فلمّا قدم الرّسول - عليه الصلاة والسّلام - المدينة ، وأرسل السّرايا إلى الكفّار ، نفر المسلمون جميعا إلى الغزو وتركوه وحده بالمدينة ؛ فنزلت هذه الآية « 1 » . والمعنى : لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا كلهم إلى الجهاد ، بل يجب أن يصيروا طائفتين ، طائفة تبقى في خدمة الرسول ، وطائفة أخرى تنفر للجهاد ، وذلك لأن الإسلام في ذلك الوقت كان محتاجا إلى الجهاد ، وأيضا كانت التّكاليف والشّرائع تنزل ، وكان بالمسلمين حاجة إلى من يكون مقيما بحضرة الرسول - عليه الصلاة والسّلام - يتعلّم تلك الشرائع والتكاليف ، ويبلغها للغائبين ، وبهذا الطريق يتمّ أمر الدّين ، وعلى هذا القول ففيه احتمالان : أحدهما : أن تكون الطّائفة المقيمة هم الذين يتفقّهون في الدّين لملازمتهم الرسول - عليه الصلاة والسّلام - ، ومشاهدتهم التنزيل ؛ فكلما نزل تكليف وشرع ؛ عرفوه وحفظوه ، فإذا رجعت الطائفة النّافرة من الغزو ؛ أنذرتهم المقيمة ما تعلموه من التّكاليف والشرائع ، وعلى هذا فلا بد من إضمار ، والتقدير : فلو لا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة وأقامت طائفة لتفقه المسلمين في الدين ، ولينذروا قومهم ، يعني النافرين إلى الغزو إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون معاصي اللّه تعالى . والاحتمال الثاني : أنّ التفقة صفة للطائفة النافرة قاله الحسن . والمعنى : فلو لا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة حتى تصير هذه الطائفة النافرة فقهاء في الدين « 2 » ، أي : أنهم إذا شاهدوا ظهور المسلمين على المشركين ، وأنّ العدد القليل منهم يغلبون العالم من المشركين ؛ فيتبصروا ويعلموا أن ذلك بسبب أنّ اللّه تعالى خصهم بالنّصرة ، والتأييد وأنّ اللّه تعالى يريد إعلاء دين محمد ، وتقوية شريعته ؛ فإذا رجعوا إلى قومهم من الكفّار أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر ، والفتح ، والظفر ، لعلهم يحذرون ؛ فيتركوا الكفر والنفاق . وأما الثاني : وهو أن هذا حكم مبتدأ ؛ فتقريره أنّ اللّه تعالى ، لمّا بيّن في هذه السورة أمر الهجرة ، ثم أمر الجهاد ، وهما عبادتان بالسّفر ، بيّن أيضا عبادة التفقه من جهة الرّسول وله تعلق بالسفر ، فقال :
« وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً »
إلى حضرة الرّسول - عليه الصلاة والسّلام - ليتفقهوا في الدّين ، بل ذلك غير واجب ، وليس حاله كحال الجهاد مع الرسول الذي يجب أن يخرج فيه كل من لا عذر له . ثم قال :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ
يعني من الفرق الساكنين في البلاد ، طائفة
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 16 / 179 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 516 ) بنحوه وذكره البغوي ( 2 / 339 ) .