تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
أي : إلّا الخصلة الحسنى ، أو إلّا الإرادة الحسنى . وقال الزمخشريّ « ما أردنا ببناء هذا المسجد إلّا الخصلة الحسنى ، أو إلا الإرادة الحسنى ، وهي الصلاة » . قال أبو حيّان كأنّه في قوله : « إلّا الخصلة الحسنى » جعله مفعولا ، وفي قوله « أو إلّا الإرادة الحسنى » علة ؛ فكأنه ضمّن « أراد » معنى « قصد » ، أي : ما قصدوا ببنائه لشيء من الأشياء إلّا الإرادة الحسنى . قال « وهذا وجه متكلف » وأرادوا بالفعلة الحسنى : الرفق بالمسلمين ، والتوسعة على أهل الضعف ، والعلة ، والعجز عن المصير إلى مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنّهم قالوا لرسول اللّه : إنّا بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة واللّيلة المطيرة . ثم قال تعالى :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
أي : أنّ اللّه أطلع الرّسول - عليه الصلاة والسّلام - على أنّهم حلفوا كاذبين . روي أنه لمّا انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من تبوك ؛ فنزل بذي أوان موضع قريب من المدينة ، أتوه فسألوه إتيان مسجدهم ، فدعا بقميصه ليلبسه ، ويأتيهم ، فنزل القرآن عليه وأخبره خبر مسجد الضرار ، وما همّوا به ، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مالك بن الدخشم ، ومعن بن عديّ ، وعامر بن السكن ، والوحشي قاتل حمزة ، وقال لهم : « انطلقوا إلى هذا المسجد الظّالم أهله فاهدموه وأحرقوه » فخرجوا مسرعين حتّى أتوا سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك : أنظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهلي ، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل ، فأشعل فيه نارا ، ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد ، وفيه أهله فحرقوه وهدموه ، وتفرّق عنه أهله ، وأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجيف ، والنتن ، والقمامة ، ومات أبو عامر الرّاهب بالشّام وحيدا غريبا . وروي أنّ بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة ، فيؤمّهم في مسجدهم ، فقال : لا واللّه ولا نعمة عين ! أليس بإمام مسجد الضرار ؟ فقال له مجمع : يا أمير المؤمنين ، لا تعجل عليّ ، فو اللّه لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما أضمروا عليه ، ولو علمت ما صلّيت معهم ، كنت غلاما قارئا للقرآن ، وكانوا شيوخا لا يقرؤون فصليت ولا أحسب إلّا أنهم يتقرّبون إلى اللّه ، ولم أعلم ما في أنفسهم فعذره عمر وصدّقه وأمره بالصّلاة في مسجد قباء . قال عطاء « لمّا فتح اللّه على عمر الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجد ، وأمرهم ألّا يبنوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه » « 1 » . قوله :
« لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً » .
قال ابن عباس « لا تصلّ فيه » منع اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصلّي في مسجد الضّرار « 2 » . قال ابن جريج : فرغوا من إتمام ذلك المسجد يوم الجمعة ، فصلّوا فيه ذلك اليوم ويوم السبت والأحد ، وانهار في يوم الاثنين « 3 » .
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 327 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 16 / 155 ) عن ابن جريج .