تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
تبوك ، فقالوا يا رسول اللّه : إنّا بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة ، والليلة المطيرة ، والليلة الشاتية ، وإنّا نحب أن تأتينا تصلي لنا فيه ، وتدعو بالبركة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّي على جناح سفر ، ولو قدمنا إن شاء اللّه أتيناكم فصلينا لكم فيه » .

فصل [ : هل يصح أن يصلي جماعتان في مسجد واحد بإمامين ]

قال القرطبيّ : « تفطّن مالك - رحمه اللّه - من هذه الآية وقال : لا يصلّي جماعتان في مسجد واحد بإمامين ، خلافا لسائر العلماء . وروي عن الشّافعي المنع ؛ لأنّ في ذلك تشتيتا للكلمة ، وإبطالا لهذه الحكمة ، وذريعة إلى أن نقول : من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعة ، ويقدم إمامه فيقع الخلاف بينهم ، ويبطل الكلام وخفي ذلك عليهم » . قوله :
وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ .
الإرصاد : الانتظار ، قاله الزجاج : وقال ابن قتيبة : الانتظار مع العداوة . قالوا : والمراد به : أبو عامر الرّاهب ، وهو والد حنظلة غسيل الملائكة ، وكان قد ترهّب في الجاهليّة ، وتنصّر ولبس المسوح ، فلمّا قدم النبيّ - عليه الصلاة والسّلام - المدينة قال له أبو عامر : ما هذا الذي جئت به ؟ قال : « جئت بالحنيفيّة دين إبراهيم » ، قال أبو عامر : أنا عليها ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « إنّك لست عليها » قال بلى ، ولكنك أدخلت في الحنيفيّة ما ليس منها ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ما فعلت ولكنّي جئت بها بيضاء نقيّة » فقال أبو عامر : أمات اللّه الكاذب طريدا وحيدا غريبا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « آمين » . وسمّاه أبا عامر الفاسق فلمّا كان يوم أحد ، قال أبو عامر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لا أجد قوما يقاتلونك إلّا قاتلتك معهم ؛ فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين ، فلمّا انهزمت هوازن يئس ، وخرج هاربا إلى الشّام ، وأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا بما استطعتم من قوّة وسلاح ، وابنوا لي مسجدا فإنّي ذاهب إلى قيصر ملك الرّوم ، فآتي بجند من الرّوم ، فأخرج محمّدا وأصحابه من المدينة فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء ، فذلك قوله :
وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[ التوبة : 107 ] وهو أبو عامر الفاسق ، ليصلي فيه إذا رجع من الشّام . قوله :
« مِنْ قَبْلُ »
فيه وجهان : أحدهما - وهو الذي لم يذكر الزمخشريّ غيره - : أنّه متعلق بقوله : « اتّخذوا » ، أي : اتّخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء . والثاني : أنه متعلق ب « حارب » ، أي : حارب من قبل اتّخاذ هذا المسجد . قوله :
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا
« ليحلفنّ » جواب قسم مقدر ، أي : واللّه ليحلفنّ . وقوله
« إِنْ أَرَدْنا »
جواب لقوله : « ليحلفنّ » فوقع جواب القسم المقدر فعل قسم مجاب بقوله
« إِنْ أَرَدْنا » .
و « إن » نافية ، ولذلك وقع بعدها « إلّا » . و « الحسنى » صفة لموصوف محذوف ،