تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١

فصل [ في أنه تعالى قسم المنافقين على ثلاثة أقسام ]

اعلم أنّه تعالى قسّم المتخلفين ثلاثة أقسام : أحدها : المنافقون الذين مردوا على النفاق . والثاني : التّائبون وهم المرادون بقوله : « وآخرون اعترفوا » وبيّن تعالى أنّه قبل توبتهم . والثالث : الذين بقوا موقوفين ، وهم المذكورون في هذه الآية ، والفرق بين هؤلاء وبين القسم الثاني ، أنّ هؤلاء لم يسارعوا إلى التّوبة وأولئك سارعوا إليها . قال ابن عبّاس : نزلت هذه الآية في الذين تخلّفوا : كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أميّة ، لم يسارعوا إلى التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة ، فوقفهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خمسين ليلة ، ونهى النّاس عن مخالطتهم ، حتّى شفّهم القلق ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وكانوا من أهل بدر ؛ فجعل أناس يقولون : هلكوا ، وآخرون يقولون : عسى اللّه أن يغفر لهم ، فصاروا مرجئين لأمر اللّه ، إمّا يعذبهم وإمّا يرحمهم ، حتى نزلت توبتهم بعد خمسين ليلة « 1 » .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
« عليم » بما في قلوب هؤلاء المرجئين « حكيم » بما يحكم فيها . فإن قيل : إنّهم ندموا على تأخرهم عن الغزو ، وتخلفهم عن الرسول - عليه الصلاة والسّلام - ، ثمّ إنّه لم يحكم بكونهم تائبين ، بل قال :
إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
وذلك يدلّ على أنّ النّدم وحده لا يكفي في صحّة التوبة . فالجواب : لعلّهم حين ندموا خافوا أن يفضحهم الرّسول - عليه الصّلاة والسّلام - ، وعلى هذا ، فلا تكون توبتهم صحيحة ، فاستمرّ عدم قبول التوبة إلى أن نزل مدحهم ؛ فعند ذلك ندموا على المعصية لنفس كونها معصية ، فحينئذ صحّت توبتهم .

فصل [ في احتجاج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يعفو عن غير التائب ]

احتجّ الجبائيّ بهذه الآية على أنّه تعالى لا يعفو عن غير التّائب ؛ لأنّه قال في حقّ هؤلاء المذنبين
إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
وذلك يدلّ على أنّه لا حكم إلّا أحد هذين الأمرين ، وهو إمّا التعذيب وإما التوبة ، وأمّا العفو عن الذّنب من غير توبة ؛ فهو قسم ثالث . فلمّا أهمل اللّه تعالى ذكره ، دلّ على بطلانه . وأجيب : بأنّا لا نقطع بحصول العفو عن جميع المذنبين ، بل نقطع بحصول العفو في الجملة وأمّا في حقّ كل واحد ؛ فذلك مشكوك فيه ، قال تعالى :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] فقطع بغفران ما سوى الشرك ، لكن لا في حقّ كل أحد ، بل في حقّ من يشاء ؛ فلم يلزم من عدم العفو في حق هؤلاء ، عدم العفو على الإطلاق ، وأيضا
هامش
( 1 ) تقدم .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 201 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب