تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وجاء أبو عقيل الأنصاري واسمه الحبحاب ، بصاع من تمر ، وقال : يا رسول اللّه بتّ ليلتي أجر بالجرير حتى نلت صاعين من تمر ؛ فأمسكت أحدهما لعيالي ، وجئت بالآخر ؛ فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينثره على الصّدقات ؛ فلمزهم المنافقون ، وقالوا : ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلّا رياء ، وإن كان اللّه ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنّه أحب أن يزكي نفسه ليعطى من الصّدقات ؛ فأنزل اللّه تعالى :
« الَّذِينَ يَلْمِزُونَ »
أي : يعيبون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات ، يعني : عبد الرحمن بن عوف وعاصما ،
« وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ »
أي : طاقتهم . والجهد : شيء قليل يعيش به المقلّ ، والجهد بالفتح ، والجهد بالضمّ بمعنى واحد يعني : أبا عقيل .
« فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ »
يستهزئون منهم ،
« سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ »
أي : جازاهم على السخرية . وقال الأصمّ : المراد أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروه من أعمال البرّ مع أنّه لا يثيبهم عليها ؛ فكان ذلك كالسخرية ،
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ .
قوله تعالى :
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
الآية . قال ابن عبّاس : إنّ عند نزول الآية في المنافقين ، قالوا : يا رسول اللّه ، استغفر لنا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سأستغفر لكم » ؛ فنزل قوله تعالى :
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
[ التوبة : 80 ] لفظه أمر ، ومعناه خبر ، تقديره : استغفرت لهم ، أو لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم « 1 » . قال الضحاك : لما نزلت هذه الآية ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه قد رخّص لي فلأزيدنّ على السبعين لعلّ اللّه أن يغفر لهم » فأنزل اللّه عزّ وجلّ
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
[ المنافقون : 6 ]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ
« 2 » . قوله :
« سَبْعِينَ مَرَّةً »
منصوب على المصدر ، كقولك : ضربته عشرين ضربة ؛ فهو لعدد مرّاته وقوله :
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
قد تقدّم الكلام على هذا عند قوله :
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ
[ التوبة : 53 ] ؛ وأنّه نظير قوله : [ الطويل ]
2818 - أسيئي بنا أو أحسني لا مسيئة * لدينا ولا مقليّة إن تقلّت « 3 »
قوله تعالى :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 81 إلى 85 ]

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ( 81 ) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 ) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ( 83 ) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ ( 84 ) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 85 )
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 16 / 116 ) . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 315 ) . ( 3 ) تقدم .