تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
أظهرهما : أنّهما منصوبان على المصدر ، أي : ضحكا قليلا وبكاء كثيرا ؛ فحذف الموصوف ، وهو أحد المواضع المطّرد فيها حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه . والثاني : أنّهما منصوبان على ظرفي الزمان ، أي : زمانا قليلا ، وزمانا كثيرا والأول أولى ؛ لأنّ الفعل يدلّ على المصدر بشيئين : بلفظه ومعناه ، بخلاف ظرف الزمان فإنه لا يدلّ عليه بلفظه ، بل بهيئته الخاصّة . وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلّا أنّ معناه الإخبار بأنه ستحصل هذه الحالة ، لقوله تعالى بعده
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ .
قوله : « جزاء » فيه وجهان : الأول : قال الزّجّاج : إنّه مفعول لأجله ، أي : سبب الأمر بقلّة الضّحك ، وكثرة البكاء جزاؤهم بعملهم . و « بما » متعلق ب « جزاء » ، لتعديته به ويجوز أن يتعلّق بمحذوف ؛ لأنّه صفته . والثاني : أن ينتصب على المصدر بفعل مقدّر ، أي : يجزون جزاء .
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
في الدنيا من النّفاق . قوله تعالى :
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ
الآية . « رجع » يتعدّى كهذه الآية الكريمة ، ومصدره : « الرّجع » ، كقوله
وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ
[ الطارق : 11 ] . ولا يتعدّى ، نحو :
وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
[ الأنبياء : 35 ] في قراءة من بناه للفاعل . والمصدر : الرّجوع ، كالدّخول . والمعنى : فإن ردّك اللّه من غزوة تبوك إلى المدينة ، ومعنى « الرجع » مصير الشّيء إلى المكان الذي كان فيه ، يقال : رجعته رجعا ، كقولك : رددته ردا . وقوله :
إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ
إنّما خصّص ؛ لأنّ جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين ، بل كان بعضهم مخلصين معذورين ،
« فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ »
معك في غزوة أخرى
« فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً »
في سفر ،
« وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا »
وهذا يجري مجرى الذّم واللّعن لهم ، ومجرى إظهار نفاقهم وفضائحهم ؛ لأنّ ترغيب المسلمين في الجهاد أمر معلوم بالضّرورة من دين محمّد عليه الصّلاة والسّلام ، ولمّا منعوا هؤلاء من الخروج إلى الغزو بعد ذلك الاستئذان ، كان ذلك تصريحا بكونهم خارجين عن الإسلام ، ونظيره قوله تعالى
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ
إلى قوله
قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا
[ الفتح : 15 ] ، ثم إنّه تعالى علّل ذلك المنع بقوله
« إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ »
أي : لأنكم رضيتم
« بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ »
في غزوة تبوك . قال أبو البقاء :
« أَوَّلَ مَرَّةٍ »
ظرف . قال أبو حيّان « 1 » « يعني ظرف زمان وهو بعيد » .
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 82 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 160 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب