تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
هذين الصنفين : المؤمنين ، والذين لا يجدون ؛ فيكون
« الَّذِينَ لا يَجِدُونَ »
مطّوّعين غير مؤمنين . وقال أبو البقاء « 1 » :
« فِي الصَّدَقاتِ »
متعلق ب « يلمزون » ، ولا يتعلّق ب « المطّوّعين » لئلّا يفصل بينهما بأجنبي . وهذا فيه نظر ؛ إذ قوله
« مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
حال ، والحال ليست بأجنبيّ ، وإنّما يظهر في ردّ ذلك أن « يطّوّع » إنّما يتعدى بالباء ، لا ب « في » وكون « في » بمعنى « الباء » خلاف الأصل . وقيل : « فيسخرون » خبر المبتدأ ودخلت الفاء ، لما تضمّنه المبتدأ من معنى الشرط ، وفي هذا الوجه بعد من حيث إنّه يقرب من كون الخبر في معنى المبتدأ ، فإنّ من عاب إنسانا وغمزه علم أنّه يسخر منه فيكون كقولهم : « سيّد الجارية مالكها » . الثالث : أن يكون محلّه نصبا على الاشتغال ، بإضمار فعل يفسّره
« سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ »
من طريق المعنى ، نحو : عاب الذين يلمزون ، سخر اللّه منهم . الرابع : أن ينصب على الشتم . الخامس : أن يكون مجرورا بدلا من الضمير في
« سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ » .
وقرىء « 2 » « يلمزون » بضم الميم ، وقد تقدّم أنّها لغة ، وقرأ الجمهور « جهدهم » بضمّ الجيم . وقرأ ابن « 3 » هرمز وجماعة « جهدهم » بالفتح . فقيل : لغتان بمعنى واحد . وقيل المفتوح المشقّة والمضموم : الطّاقة ، قاله القتيبيّ ، وقيل : المضموم شيء قيل يعاش به والمفتوح : العمل . وقوله :
سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
يحتمل أن يكون خبرا محضا ، وأن يكون دعاء .

فصل [ في لمز المنافقين لمن يأتي بالصدقات ]

اعلم أنّ هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة ، وهو لمزهم من يأتي بالصّدقات . قال المفسّرون : حثّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الصّدقة ؛ فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم ، فقال : يا رسول اللّه ، مالي ثمانية آلاف درهم ، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل اللّه ، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بارك اللّه لك فيما أعطيت ، وفيما أمسكت » « 4 » . فبارك اللّه في مال عبد الرحمن ، حتّى إنّه خلف امرأتين يوم أن مات ؛ فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستون ألفا وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر .
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 2 / 19 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 293 ، المحرر الوجيز 3 / 63 ، البحر المحيط 5 / 76 ، الدر المصون 3 / 486 . ( 3 ) ينظر : السابق . ( 4 ) تقدم تخريجه وهو حديث تصدق عبد الرحمن بن عوف بأمواله لنصرة جيش المسلمين .