تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وقال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وقتادة : أتى ثعلبة مشهدا من الأنصار ؛ فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه ، وتصدقت منه ، وو صلت منه القرابة ، فمات ابن عم له ، فورث منه مالا ، فلم يف بما قال ؛ فأنزل الله هذه الآية « 1 » . وقال الحسن ومجاهد : نزلت في ثعلبة بن حاطب ، ومعتب بن قشير ، وهما من بني عمرو بن عوف قد جاءا على ملأ قعودا وقالا : والله لئن رزقنا الله لنصدقن ، فلما رزقهما بخلا به . والمشهور الأول « 2 » . فإن قيل : إن الله أمره بإخراج الصدقة ؛ فكيف يجوز للرسول أن لا يقبلها منه ؟ . فالجواب : لا يبعد أن يقال : إن الله تعالى منع الرسول - عليه الصلاة والسلام - من قبول الصدقة منه إهانة له ليعتبر غيره ، فلا يمتنع عن أداء الصدقات ، أو أنه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء ، لا على وجه الإخلاص ، وأعلم الله الرسول بذلك ؛ فلذلك لم يقبل تلك الصدقة ، ويحتمل أيضا أن الله تعالى لما قال :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
[ التوبة : 103 ] كان هذا غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه ؛ فلهذا امتنع الرسول - عليه الصلاة والسلام - من أخذ تلك الصدقة . فإن قيل : المنافق كافر ، والكافر لا يمكنه أن يعاهد الله . فالجواب : أن المنافق قد يكون عارفا بالله ، إلا أنه كان منكرا لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ؛ فلكونه عارفا بالله يمكنه أن يعاهد الله ، ولكونه منكرا لنبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - ، كان كافرا . وكيف لا أقول ذلك وأكثر العالم مقرون بوجود الصانع ؟ أو لعله حين عاهد الله كان مسلما ، ثم لما بخل بالمال ، ولم يف بالعهد صار منافقا ، ولفظ الآية يدل على ذلك لقوله :
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً
[ التوبة : 78 ] . فإن قيل : هل من شرط المعاهدة أن يتلفظ بها باللسان ، أو يكفى النية ؟ . فالجواب : قال بعضهم : تكفي النية ، وأن قوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ
[ التوبة : 75 ] كان شيئا نووه في أنفسهم لقوله :
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ
[ التوبة : 78 ] . وقال المحققون : هذه المعاهدة مقيدة بالتلفظ باللسان ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « إن الله عفا لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل » وأيضا فقول
« لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ »
يشعر ظاهره بالقول باللسان . فإن قيل : المراد من الصدقة إخراج المال ، وهو على قسمين وأجب وغير وأجب ، والواجب قسمان :
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 425 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 468 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في « الدلائل » عن ابن عباس . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 427 ) عن الحسن ومجاهد .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 151 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب