تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
قسم وأجب بأصل الشرع كالزكاة ، والنفقات الواجبة . وقسم لم يجب إلا إذا التزمه العبد كالنذور . فقوله : « لنصدقن » هل يتناول الأقسام الثلاثة ، أو لا ؟ . فالجواب : أن الصدقات التي ليست واجبة ، غير داخلة في الآية ، لقوله :
« بَخِلُوا بِهِ »
والبخل في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب ؛ ولأنه تعالى ذمهم بهذا الترك ، وتارك المندوب لا يذم . بقي القسمان الواجبان ؛ فالواجب بأصل الشرع داخل في الآية ، لا محالة بقي الواجب بالنذر ، والظاهر أن اللفظ لا يدل عليه ؛ لأنه ليس في الآية إلا قوله
لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ
وهذا ليس فيه إشعائر بالنذر ، لأن الرجل قد يعاهد ربه في أن يقوم بما يلزمه من الزكوات والنفقات الواجبة إن وسع الله عليه . فإن قيل : لفظ الآية يدل على أن الذي لزمهم إنما بسبب هذا الالتزام ، والزكاة لا تلزم بسبب هذا الالتزام ، وإنما تلزم بملك النصاب وحلول الحول . فالجواب : قوله : « لنصدقن » لا يوجب أن يفعلوا ذلك على الفور ؛ لأنه إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل ، وهذا النذر لا يوجب الفور ؛ فكأنهم قالوا : لنصدقن في وقته كما قالوا :
« وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ »
أي : في أوقات لزوم الصلاة ؛ فثبت بما قررنا أن الداخل تحت هذا العهد ، إخراج الأموال الواجبة بأصل الشرع ، ويؤكد هذا ما روي في سبب النزول أن الآية إنما نزلت في حق من امتنع من أداة الزكاة .

فصل [ في المراد من الفضل ]

المراد من « الفضل » هاهنا : إيتاء المال بأي طريق كان ، إما بتجارة ، أو غنيمة أو غير ذلك . والمراد ب « الصالحين » : الصالح ضد المفسد ، والمفسد عبارة عمن بخل بما يلزمه في التكليف ، فالصالح : من يعمل بعمل أهل الصلاح من صلة الرحم والنفقة في الخير ، ونحو ذلك . ثم قال تعالى :
فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ .
قال الليث : يقال : أعقب فلانا ندامة ، إذا صيرت عاقبة أمره ذلك ، قال الهذلي : [ الكامل ]
2817 - أودى بني وأعقبوني حسرة * بعد الرقاد وعبرة لاتقلع « 1 »
هامش
( 1 ) ينظر : خزانة الأدب 1 / 420 ، وشرح التصريح 2 / 61 ، وشرح شواهد المغني 1 / 262 ، والمقاصد النحوية 3 / 498 ، واللسان ( عقب ) ، وأوضح المسالك 3 / 197 ، وشرح الأشموني 2 / 331 .