تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ
وقد تقدّم الاستدلال على أنّ صاحب الكبيرة مؤمن .

[ فصل في دلالة الآية على أن اللّه سبحانه وتعالى ما خلق خلقا لأجل التعذيب والعقاب ]

قالت المعتزلة : دلّت هذه الآية على أنّه - سبحانه [ وتعالى ] « 1 » - ما خلق خلقا ابتداء لأجل التّعذيب « 2 » والعقاب ؛ لأن قوله :
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ
صريح في أنّه - تعالى - لم يخلق أحدا لغرض التّعذيب . ودلّت أيضا على أنّ فاعل الشّكر والإيمان هو العبد ، وليس « 3 » ذلك فعلا للّه تعالى وإلا لصار التّقدير : ما يفعل اللّه بعذابكم بعد أن خلق الشّكر والإيمان فيكم ، وذلك غير منتظم . وتقدّم الجواب عن مثل ذلك . ثم قال
وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً
أمرهم بالشّكر ، وسمّى الجزاء شكرا ، على سبيل الاستعارة ، فالشّكر من اللّه هو الرّضا بالقليل من عباده ، وإضعاف الثّواب عليه ، والشّكر من العبد الطّاعة ، والمراد من كونه عليما : أنّه عالم بجميع الجزئيّات ، فلا يقع له الغلط ألبتّة ، فلا جرم يوصل الثّواب إلى الشّاكر ، والعقاب إلى المعرض . قوله تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 148 ]

لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( 148 ) « 4 » في كيفيّة النّظم وجهان : أحدهما : أنه - تعالى - لمّا فضح المنافقين وهتك سترهم ، وكان هتك السّتر غير لائق بالرّحيم الكريم ، ذكر - تعالى - ما يجري مجرى العذر من ذلك ؛ فقال :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
يعني : لا يحبّ إظهار الفضائح ، إلّا في حقّ من عظم ضرره وكثر كيده ومكره ، فعند ذلك يجوز إظهار فضائحه ؛ ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام - : « اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره النّاس » « 5 » والمنافقون قد كثر كيدهم
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : العذاب . ( 3 ) في ب : فليس . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) أخرجه العقيلي ( 1 / 202 ) وابن حبان في « المجروحين » ( 1 / 215 ) وابن عدي في « الكامل » ( 2 / 260 ) والبيهقي ( 10 / 215 ) من طريق الجارود بن يزيد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أترعون عن ذكر الفاجر ؛ اذكروه بما فيه يحذره الناس . قال العقيلي : ليس له من حدث بهز أصل ولا من حديث غيره ولا يتابع عليه من طريق يثبت . قال البيهقي : هذا يعرف بالجارود بن يزيد النيسابوري وأنكره عليه أهل العلم بالحديث سمعت أبا عبد اللّه الحافظ يقول : سمعت أبا عبد اللّه محمد بن يعقوب الحافظ غير مرة يقول : كان أبو بكر الجارودي إذا مر بقبر جده يقول : يا أبة لو لم تحدث بحديث بهز بن حكيم لزرتك . وقال ابن عدي والبيهقي : وقد سرقه عنه جماعة من الضعفاء فروه عن بهز بن حكيم ولم يصح فيه شيء . -