تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
ومكرهم « 1 » وظلمهم ، وضررهم على المسلمين ؛ فلهذا ذكر اللّه فضائحهم وكشف أسرارهم . وثانيهما : أنّه - تعالى - قال في الآية الأولى : أن المنافقين إذا تابوا وأخلصوا ، صاروا من المؤمنين ، فيحتمل أن يتوب بعضهم ويخلص توبته ، ثم لا يسلم من التّغير « 2 » والذّمّ من بعض المسلمين ؛ بسبب ما صدر عنه في الماضي من النّفاق ، فبين - تعالى - في هذه الآيةأنه لا يحب الجهر بالسوء من القول ، إلا من ظلم نفسه وأقام على نفاقه ، فإنه لا يكره . قوله : « بالسّوء » متعلق ب « الجهر » ، وهو مصدر معرف ب « أل » استدلّ به الفارسيّ على جواز إعمال المصدر المعرّف ب « أل » . قيل : ولا دليل فيه ؛ لأنّ الظرف والجارّ يعمل فيهما روائح الأفعال ، وفاعل هذا المصدر محذوف ، أي : الجهر أحد ، وقد تقدم أن الفاعل يطّرد حذفه في صور منها المصدر ، ويجوز أن يكون الجهر مأخوذا من فعل مبنيّ للمفعول على خلاف في ذلك ، فيكون الجارّ بعده في محلّ رفع لقيامه مقام الفاعل ؛ لأنك لو قلت : لا يحبّ اللّه أن يجهر بالسوء ، كان « بالسّوء » قائما مقام الفاعل ، ولا تعلّق له حينئذ به ، و
« مِنَ الْقَوْلِ »
حال من « السّوء » . قوله :
« إِلَّا مَنْ ظُلِمَ »
في هذا الاستثناء قولان : أحدهما : أنه متصل . والثاني : أنه منقطع ، وإذا قيل بأنه متصل ، فقيل : هو مستثنى من « أحد » المقدّر الذي هو فاعل للمصدر ، فيجوز أن تكون « من » في محلّ نصب على أصل الاستثناء ، أو رفع على البدل من « أحد » ، وهو المختار ، ولو صرّح به ، لقيل : لا يحبّ اللّه أن يجهر أحد بالسّوء إلا المظلوم ، أو المظلوم رفعا ونصبا ، ذكر ذلك مكي « 3 » وأبو البقاء « 4 » وغيرهما ، قال أبو حيان « 5 » : « وهذا مذهب الفراء ، أجاز في « ما قام إلّا زيد » أن يكون « زيد » بدلا من « أحد » ، وأمّا على مذهب الجمهور ، فإنه يكون من المستثنى الذي فرّغ له العامل ، فيكون مرفوعا على الفاعليّة بالمصدر ، وحسّن ذلك كون الجهر في حيّز النفي ، كأنه قيل : لا يجهر بالسّوء من القول إلا المظلوم » انتهى ، والفرق ظاهر بين مذهب الفراء وبين هذه الآية ؛ فإن النحويّين إنما لم يروا بمذهب الفراء ، قالوا : لأن المحذوف صار نسيا منسيّا ، وأما فاعل المصدر هنا ، فإنه كالمنطوق به ليس منسيا ، فلا يلزم من تجويزهم الاستثناء من هذا الفاعل المقدّر أن يكونوا تابعين لمذهب الفرّاء ؛ لما ظهر من الفرق ،
هامش
- وقال ابن حبان : والخبر في أصله باطل وهذه الطرق كلها بواطيل لا أصل لها . والحديث قال الألباني : موضوع وينظر السلسلة الضعيفة برقم ( 583 ) . ( 1 ) في ب : كانوا قد كثر مكرهم وكيدهم . ( 2 ) في ب : التغيير . ( 3 ) ينظر : المشكل 1 / 210 . ( 4 ) ينظر : الإملاء 1 / 200 . ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 398 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 96 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب