تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 620

مساهمون:

ص٦٢٠
« بحقّ » هو العامل ؛ إذ « ليس » لا يجوز أن تعمل في شيء ، وإن قلنا : إنّ « كان » أختها قد تعمل لأن « ليس » لا حدث لها بالإجماع . والثالث : أنه متعلّق بنفس « حقّ » ؛ لأنّ الباء زائدة ، و « حقّ » بمعنى « مستحقّ » ، أي : ما ليس مستحقّا لي .

[ فصل في تفسير الآيتين ]

اعلم : أنّه - تبارك وتعالى - لما سأل عيسى - عليه السلام - أنّك هل قلت للنّاس ذلك ؟ لم يقل عيسى بأنّي قلت ، أو : ما قلت ، بل قال : ما يكون لي أن أقول هذا الكلام ، وبدأ بالتّسبيح قبل الجواب لأمرين : أحدهما : تنزيها له على أن يضيف إليه . والثاني : خضوعا لعزّته ، وخوفا من سطوته . ثمّ قال : « ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقّ » أي : أن أدّعي لنفسي بما ليس من حقّها يعني : أنّي مربوب ولست بربّ ، وعابد ، ولست بمعبود ، ولمّا بيّن أنّه ليس له أن يقول هذا الكلام ، شرع في بيان أنّه هل وقع منه هذا القول أم لا ؟ ولم يقل بأنّي ما قلته ، بل فوّضه إلى علمه تعالى المحيط بالكلّ ، فقال : « إن كنت قلته فقد علمته بعلمك » ، وهذا مبالغة في الأدب ، وفي إظهار الذّلّة والمسكنة في حضرة الخلّاق ، وتفويض الأمر بالكلّيّة إلى الحقّ - سبحانه وتعالى - . قوله :
« إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ »
: « كنت » وإن كانت ماضية اللفظ فهي مستقبلة في المعنى ، والتقدير : إن تصحّ دعواي لما ذكر ، وقدّره الفارسي بقوله : « إن أكن الآن قلته فيما مضى » لأنّ الشرط والجزاء لا يقعان إلا في المستقبل . وقوله :
« فَقَدْ عَلِمْتَهُ »
أي : فقد تبيّن وظهر علمك به كقوله :
فَصَدَقَتْ
[ يوسف : 26 ] و
فَكَذَبَتْ
[ يوسف : 27 ] و
فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ
[ النمل : 90 ] . قوله تعالى :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
. قوله :
« تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي »
هذه لا يجوز أن تكون عرفانية ، لأنّ العرفان كما تقدم يستدعي سبق جهل ، أو يقتصر به على معرفة الذات دون أحوالها حسب ما قاله الناس ، فالمفعول الثاني محذوف ، أي : تعلم ما في نفسي كائنا موجودا على حقيقته لا يخفى عليك منه شيء ، وأمّا :
« وَلا أَعْلَمُ »
فهي وإن كان يجوز أن تكون عرفانية ، إلا أنها لمّا صارت مقابلة لما قبلها ينبغي أن يكون مثلها ، والمراد بالنفس هنا ما قاله الزجاج « 1 » أنها تطلق ويراد بها حقيقة الشيء ، والمعنى في قوله
« تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي »
إلى آخره واضح .
هامش
( 1 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 245 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 620 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب