تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 618

مساهمون:

ص٦١٨
شكّ في نسبته إلى المخاطب ، وإن شكّ في أصل وقوع الفعل ، أولي الفعل للهمزة ، فيقال : « أضربت زيدا » ، لم تقطع بوقوع الضرب ، بل شككت فيه ، والحاصل : أنّ الهمزة يليها المشكوك فيه ، فالاستفهام في الآية الكريمة يراد به التقريع والتوبيخ لغير عيسى - عليه السلام - وهم المتّخذون له ولأمّه إلهين ، دخل على المبتدأ لهذا المعنى الذي ذكرناه ؛ لأن الاتخاذ قد وقع ولا بدّ ، واللام في « للنّاس » للتبليغ فقط ، و « اتّخذوني » يجوز أن تكون بمعنى « صيّر » ، فتتعدّى لاثنين ، ثانيهما « إلهين » ، وأن تكون المتعدية لواحد ف « إلهين » حال ، و
« مِنْ دُونِ اللَّهِ »
فيه وجهان : أظهرهما : أنه متعلق بالاتخاذ ، وأجاز أبو البقاء « 1 » - رحمه اللّه تعالى - وبه بدأ - أن يكون متعلّقا بمحذوف ؛ على أنه صفة ل « إلهين » . فإن قيل : كيف يليق الاستفهام بعلّام الغيوب ؛ وأيضا النّصارى لا يقولون بإلهيّة عيسى [ - عليه الصلاة والسلام - ومريم ] . فالجواب عن الأول : أنّه على سبيل الإنكار ، وقصد هذا السّؤال تعريفه أنّ قومه غيروا بعده ، وادّعوا عليه ما لم يقله . والجواب عن الثّاني : أنّ النّصارى يعتقدون أنّ المعجزات الّتي ظهرت على يد عيسى - عليه الصّلاة والسّلام - ومريم - عليها السّلام - لم يخلقها اللّه تعالى ، بل عيسى ابن مريم - عليهما الصّلاة والسّلام - ، فاللّه ليس خالقهما ، فصحّ أنهم أثبتوا في حقّ بعض الأشياء كون عيسى - عليه السلام - ومريم إلهين من دون اللّه ، [ مع أنّ اللّه ليس إلها له ] « 2 » ، فصحّ بهذا التّأويل هذه الحكاية . وقال القرطبي « 3 » - رحمه اللّه - : فإن قيل : النّصارى لم يتّخذوا مريم إلها ، فكيف قال ذلك فيهم ؟ . فقيل : لمّا كان من قولهم أنّها لم تلد بشرا ، وإنّما ولدت إلها ، لزمهم أن يقولوا : إنّها لأجل البعضيّة بمثابة من ولدته ، فصاروا حين لزمهم ذلك بمثابة القائلين له . فإن قيل : إنّه - تبارك وتعالى - إن كان عالما بعيسى - عليه الصّلاة والسّلام - لم يقل ذلك ، فلم خاطبه به ؟ فإن قلتم : الغرض منه توبيخ النّصارى وتقريعهم ، فنقول : إنّ أحدا من النّصارى لم يذهب إلى القول بإلهيّة عيسى ومريم مع القول بنفي إلهيّة اللّه تعالى ، فكيف يجوز أن ينسب هذا القول إليهم ، مع أنّ أحدا منهم لم يقل به ؟ . فالجواب : أنّ اللّه تعالى أراد أنّ عيسى يقرّ على نفسه بالعبوديّة فيسمع قومه ، ويظهر كذبهم عليه أنّه أمرهم بذلك .
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 233 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر : القرطبي 6 / 241 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 618 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب