تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
البيان : أن يكون التابع والمتبوع متفقين في التعريف والتنكير ، على أنّ الجمهور على عدم جريانه في النكرة ؛ خلافا لأبي عليّ ، و « آخران » نكرة ، و « الأوليان » معرفة ، قلت : هذا سؤال صحيح ، ولكن يلزم الأخفش ، ويلزم الزمخشريّ جوازه : أمّا الأخفش « 1 » فإنه يجيز أن يكون « الأوليان » صفة ل « آخران » بما سأقرره عنه عند تعرّضي لهذا الوجه ، والنعت والمنعوت يشترط فيهما التوافق ، فإذا جاز في النعت ، جاز فيما هو شبيه به ؛ إذ لا فرق بينهما إلا اشتراط الاشتقاق في النعت ، وأمّا الزمخشريّ ، فإنه لا يشترط ذلك - أعني التوافق - وقد نصّ عليه هو في سورة آل عمران على أن قوله تعالى :
مَقامُ إِبْراهِيمَ
[ آل عمران : 97 ] عطف بيان ؛ لقوله
« فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ »
، و
« آياتٌ بَيِّناتٌ »
نكرة ؛ لكنها لمّا تخصّصت بالوصف ، قربت من المعرفة ، كما تقدّم عنه في موضعه ، وكذا « آخران » قد وصف بصفتين ، فقربه من المعرفة أشدّ من
« آياتٌ بَيِّناتٌ »
؛ من حيث وصفت بصفة واحدة . الخامس : أنه بدل من فاعل « يقومان » . السادس : أنه صفة ل « آخران » ، أجاز ذلك الأخفش « 2 » ، وقال أبو عليّ : « وأجاز أبو الحسن فيها شيئا آخر ، وهو أن يكون « الأوليان » صفة ل « آخران » ؛ لأنه لمّا وصف ، تخصّص ، فمن أجل وصفه وتخصيصه ، وصف بوصف المعارف » ، قال أبو حيان « 3 » : « وهذا ضعيف ؛ لاستلزامه هدم ما كادوا أن يجمعوا عليه ؛ من أنّ النكرة لا توصف بالمعرفة ، ولا العكس » ، قلت : لا شكّ أن تخالفهما في التعريف والتنكير ضعيف ، وقد ارتكبوا ذلك في مواضع ، فمنها ما حكاه الخليل : « مررت بالرّجل خير منك » في أحد الأوجه في هذه المسألة ، ومنها
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
[ الفاتحة : 7 ] على القول بأنّ « غير » صفة
« الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ »
، وقوله : [ الكامل ]
2073 - ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني * فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني « 4 »
وقوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[ يس : 37 ] ، على أنّ « يسبّني » و « نسلخ » صفتان لما قبلهما ؛ فإنّ الجمل نكرات ، وهذه المثل التي أوردتها عكس ما نحن فيه ، فإنها تؤوّل فيها المعرفة بالنكرة ، وما نحن فيه جعلنا النكرة فيه كالمعرفة ؛ إلّا أنّ الجامع بينهما التخالف ، ويجوز أن يكون ما نحن فيه من هذه المثل ؛ باعتبار أنّ « الأوليين » لمّا لم يقصد بهما شخصان معينان ، قربا من النكرة ، فوقعا صفة لها مع تخصّصها هي ؛ فصار في ذلك مسوّغان : قرب النكرة من المعرفة بالتخصيص ، وقرب المعرفة من النكرة بالإبهام ؛ ويدلّ لما قلته ما قال أبو البقاء « 5 » : « والخامس أن يكون صفة
هامش
( 1 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 266 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 49 . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) ينظر : الإملاء 1 / 230 .