تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
يعتبر وصف قوله :
« ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ »
، وإن كان مغايرا لقوله « من غيركم » ، كما لا يعتبر وصف الجنس في قولك : « عندي رجلان اثنان مسلمان وآخران كافران » ؛ إذ ليس من شرط « آخر » إذا تقدّم أن يكون من جنس الأول بقيد وصفه ، وعلى ما ذكرته جاء لسان العرب ؛ قال الشاعر : [ البسيط ]
2068 - كانوا فريقين يصفون الزّجاج على * قعس الكواهل في أشداقها ضخم
وآخرين ترى الماذيّ فوقهم * من نسج داود أو ما أورثت إرم « 1 »
التقدير : كانوا فريقين : فريقا - أو ناسا - يصفون الزجاج ، ثم قال : « وآخرين ترى الماذيّ ، ف « آخرين » من جنس قولك « فريقا » ، ولم يعتبره بوصفه بقول ه « يصفون الزجاج » ؛ لأنه قسّم من ذكر إلى قسمين متباينين بالوصف متحدين بالجنس » ، قال : « وهذا الفرق قلّ من يفهمه ؛ فضلا عمّن يعرفه » . وقوله : « أو » الظاهر أنها للتخيير ، وهو واضح على القول بأن معنى
« مِنْ غَيْرِكُمْ »
: من غير أقاربكم من المسلمين ، يعني : الموصي مخيّر بين أن يشهد اثنين من أقاربه ، أو من الأجانب المسلمين ، وقيل : « أو » للترتيب ، أي : لا يعدل عن شاهدين منكم إلا عند فقدهما ، وهذا لا يجيء إلا إذا قلنا :
« مِنْ غَيْرِكُمْ »
: من غير أهل ملّتكم . قوله :
« إِنْ أَنْتُمْ »
« أنتم » مرفوع بمحذوف يفسّره ما بعده ، وهي مسألة الاشتغال ، والتقدير : إن ضربتم ، فلما حذف الفعل ، انفصل الضمير ، وهذا مذهب جمهور البصريّين ، وذهب الأخفش « 2 » منهم والكوفيّون إلى جواز وقوع المبتدأ بعد « إن » الشرطيّة ؛ كما أجازوه بعد « إذا » أيضا ، ف « ضربتم » لا محلّ له عند الجمهور ؛ لكونه مفسّرا ، ومحلّه الرفع عند الكوفيين والأخفش ؛ لكونه خبرا ؛ ونحوه :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ
[ التوبة : 6 ] ،
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
[ التكوير : 1 ] . وجواب الشرط محذوف يدلّ عليه قوله تعالى :
« اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ »
، ولكنّ تقدير هذا الجواب يتوقّف على خلاف في هذا الشرط : هل هو قيد في أصل الشهادة ، أو قيد ف ي « آخران من غيرهم » فقط ؟ بمعنى : أنه لا يجوز العدول في الشهادة على الوصيّة إلى أهل الذمة ، إلا بشرط الضرب في الأرض ، وهو السفر ، فإن قيل : هو شرط في أصل الشهادة ، فتقدير الجواب : إن ضربتم في الأرض ، فليشهد اثنان منكم أو من غيركم ، وإن كان شرطا في العدول إلى آخرين من غير الملّة ، فالتقدير : فأشهدوا آخرين من غيركم ، أو فالشاهد آخران من غيركم ، فقد ظهر أنّ الدّالّ على جواب الشرط : إمّا مجموع قوله :
« اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ
. . إلى آخره » على القول الأوّل ، وإمّا
« أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ »
فقط على القول الثاني .
هامش
( 1 ) البيتان لزهير . ينظر : ديوانه ( 518 ) ، البحر المحيط 4 / 46 ، الدر المصون 2 / 628 . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 246 .