تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
46 ] ، أي : مقامه بين يدي ربّه ، والعرب تحذف كثيرا ذكر « ما » و « من » في الموضع الذي يحتاج إليهما فيه ؛ كقوله :
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ
[ الإنسان : 20 ] أي : ما ثمّ ، وكقوله :
هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ
[ الكهف : 78 ] و
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
[ الأنعام : 94 ] أي ما بيني ، وما بينكم ، وقول أبي حيّان « 1 » « لا يتخيّل فيه تقدير « ما » إلى آخره » ممنوع ؛ لأنّ حالة الإضافة لا تجعلها صلة للموصول المحذوف ، ولا يلزم من ذلك : أن تقدّرها من حيث المعنى ، لا من حيث الإعراب ؛ نظرا إلى الأصل ، وأمّا حذف الموصول ، فقد تقدّم تحقيقه .

[ فصل في اختلاف العلماء في هاتين الآيتين ]

واختلفوا في هاتين الآيتين ، فقال قوم : هما الشّاهدان يشهدان على وصيّة . وقال غيرهم : هما الوصيّان ؛ لأنّ الآية نزلت فيهما ؛ ولأنّه قال :
تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ
، ولا يلزم الشّاهد يمين ، وجعل الوصيّ اثنين تأكيدا ، فعلى هذا تكون الشّهادة بمعنى : الحضور ، كقولك : « شهدت وصيّة فلان » ، بمعنى : حضرت وشهدت العين ، وقوله تعالى :
وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ النور : 2 ] يريد الحضور .

[ فصل في تفسير الآيات ]

وقوله : « ذوا » صفة لاثنين ، أي : صاحبا عدل ، وكذلك قوله « منكم » صفة أيضا لاثنين ، وقوله : « أو آخران » نسق على اثنين ، و
« مِنْ غَيْرِكُمْ »
صفة لآخرين ، والمراد ب « منكم » من قرابتكم وعترتكم ، ومن غيركم من المسلمين الأجانب ، وقيل : « منكم » من أهل دينكم ، و
« مِنْ غَيْرِكُمْ »
من أهل الذمة ، ورجّح النحّاس « 2 » الأول ، فقال : « هذا ينبني على معنى غامض في العربية ، وذلك أنّ معنى « آخر » في العربية من جنس الأوّل تقول : « مررت بكريم وكريم آخر » ولا يجوز « وخسيس آخر » ولا : « مررت بحمار ورجل آخر » ، فكذا هاهنا يجب أن يكون « أو آخران » : أو عدلان آخران ، والكفار لا يكونون عدولا » وردّ أبو حيان ذلك ؛ فقال : « أمّا ما ذكره من المثل ، فصحيح ؛ لأنه مثّل بتأخير « آخر » ، وجعله صفة لغير جنس الأوّل ، وأمّا الآية ، فمن قبيل ما يقدّم فيه « آخر » على الوصف ، واندرج « آخر » في الجنس الذي قبله ، ولا يعتبر وصف جنس الأول ، تقول : « مررت برجل مسلم وآخر كافر ، واشتريت فرسا سابقا ، وآخر بطيئا » ، ولو أخّرت « آخر » في هذين المثالين ، فقلت : « مررت برجل مسلم كافر آخر » ، لم يجز ، وليس الآية من هذا ؛ لأن تركيبها « اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم » ف « آخران » من جنس قوله « اثنان » ، ولا سيما إذا قدّرته : « رجلان اثنان » ف « آخران » هما من جنس قول ه « رجلان اثنان » ، ولا
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 44 . ( 2 ) ينظر : إعراب القرآن 1 / 525 .