تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
والفاء في « فأصابتكم » عاطفة هذه الجملة على نفس الشرط ، وقوله تعالى :
تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ
فيه وجهان : أحدهما : أنها في محلّ رفع صفة ل « آخران » ؛ وعلى هذا : فالجملة الشرطية وما عطف عليها معترضة بين الصفة وموصوفها ؛ فإنّ قوله « تحبسونهما » صفة لقوله « آخران » ، وإلى هذا ذهب الفارسيّ ، ومكّي « 1 » بن أبي طالب ، والحوفيّ ، وأبو البقاء « 2 » ، وابن عطيّة « 3 » ، وقد أوضح الفارسيّ ذلك بعبارة خاصّة ، فقال : « تحبسونهما » صفة ل « آخران » واعترض بقوله :
« إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ »
، وأفاد الاعتراض : أنّ العدول إلى آخرين من غير الملّة ، أو القرابة حسب اختلاف العلماء فيه ؛ إنما يكون مع ضرورة السّفر ، وحلول الموت فيه ، واستغني عن جواب « إن » ؛ لما تقدّم في قوله
« آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ »
، فقد ظهر من كلامه : أنه يجعل الشرط قيدا في
« آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ »
فقط لا قيدا في أصل الشهادة ، فتقدير الجواب على رأيه ؛ كما تقدّم : « فاستشهدوا آخرين من غيركم » أو « فالشاهدان آخران من غيركم » . والثاني : أنه لا محلّ له ؛ لاستئنافه ، وإليه ذهب الزمخشريّ « 4 » ؛ قال : « فإن قلت : ما موقع قوله : « تحبسونهما » ؟ قلت : هو استئناف كلام ، كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما : فكيف نعمل ، إن ارتبنا فيهما ؟ فقيل : تحبسونهما » ، وهذا الذي ذكره الزمخشريّ أوفق للصناعة ؛ لأنه يلزم في الأوّل الفصل بكلام طويل بين الصفة وموصوفها ، وقال : « بعد اشتراط العدالة » ؛ بناء على مختاره في قوله :
« أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ »
، أي : أو عدلان آخران من الأجانب . قال أبو حيان « 5 » : « في قوله : « إن أنتم ضربتم » إلى آخره التفات من الغيبة إلى الخطاب ، إذ لو جرى على لفظ
« إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ »
، لكان التركيب : إن هو ضرب في الأرض ، فأصابته ، وإنما جاء الالتفات جمعا ؛ لأنّ « أحدكم » معناه : إذا حضر كلّ واحد منكم الموت » ، وفيه نظر ؛ لأن الخطاب جار على أسلوب الخطاب الأوّل من قوله :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ »
إلى آخره ، وقال ابن عبّاس : « في الكلام حذف ، تقديره : فأصابتكم مصيبة الموت ، وقد أشهدتموهما على الإيصاء » ، وعن سعيد بن جبير : تقدير ه « وقد أوصيتم » ، قال بعضهم : « هذا أولى ؛ لأنّ الوصيّ يحلف ، والشّاهد لا يحلف » . والخطاب في « تحبسونهما » لولاة الأمور لا لمن خوطب بإصابته الموت ؛ لأنه يتعذّر ذلك فيه ، و « من بعد » متعلّق ب « تحبسونهما » ، ومعنى الحبس : المنع ، يقال : حبست وأحبست فرسي في سبيل اللّه ، فهو محبس وحبيس ، ويقال لمصنع الماء :
هامش
( 1 ) ينظر : المشكل 1 / 250 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 229 . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 252 . ( 4 ) ينظر : الكشاف 1 / 687 . ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 46 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 570 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب