تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
[ وجمهور الفقهاء ] ، وقالوا : لا يجوز شهادة كافر في شيء من الأحكام . وقوله تعالى :
إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
، أي : إن وقع الموت في السّفر ، ولم يكن معكم أحد من المسلمين ، أو من أقاربكم ، فاستشهدوا أجنبيّين على الوصيّة ، إمّا من ملتكم ، أو من غير ملّتكم على الخلاف . واحتجّ من قال : المراد بقوله :
« مِنْ غَيْرِكُمْ »
: الكفّار ؛ بأنّه تعالى قال في أوّل الآية :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
فعمّ بهذا الخطاب جميع المؤمنين ، فلما قال بعده
« مِنْ غَيْرِكُمْ »
كان المراد غير المؤمنين . وأيضا كما شرط هذا الاستشهاد بحالة السّفر علمنا أن المراد بالآية : الكفّار ؛ لأنّ جواز الاستشهاد بالمسلم غير مشروط بالسّفر . وأيضا فالآية تدلّ على وجوب تحليف الشّاهدين بعد الصلاة ، والإجماع على أنّ الشّاهد المسلم ، لا يجب عليه الحلف ، فعلمنا أنّ هذين الشّاهدين ليسا من المسلمين وأيضا بسبب النّزول ، ما ذكرنا من شهادة النّصرانيّين ، وقصّة أبي موسى الأشعري ، إذ قضى بشهادة اليهوديّين ، ولم ينكر عليه أحد من الصّحابة ، فكان إجماعا ، فهذه حالة ضرورة ، والضّرورات قد تبيح المحظورات ، كجواز التّيمّم ، والقصر ، والفطر في رمضان ، وأكل الميتة في حال الضّرورة ، والمسلم إذا حضره الموت في السّفر ، ولم يجد مسلما يشهده على وصيّته ، ولم تكن شهادة الكافرين مقبولة ، فإنّه يضيّع أكثر مهمّاته ، وربّما كان عنده ودائع وديون في ذمّته . كما تجوز شهادة النّساء فيما يتعلّق بأحوالهنّ ، كالحيض والحبل والولادة والاستهلال ؛ لعدم إمكان وقوف الرّجال على هذه الأحوال ، فاكتفي « 1 » بشهادة النّساء فيها للضّرورة ، فكذا هاهنا ، والقول بأنّ هذا الحكم صار منسوخا بعيد ؛ لاتّفاق أكثر الأمّة على أنّ سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن ، وليس فيها منسوخ ، واحتجّ الآخرون بقوله تعالى :
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
[ الطلاق : 2 ] ، والكافر لا يكون عدلا . وأجيب بأنّه لم لا يجوز أن يكون المراد بالعدل من كان عدلا في الاحتراز عن الكذب ، لا من كان عدلا في الدّين والاعتقاد ؛ لإجماعنا على قبول شهادة أهل الأهواء والبدع ، مع أنّهم ليسوا عدولا في مذاهبهم عندنا لكفرهم ، [ ولكنهم ] « 2 » لمّا كانوا عدولا في الاحتراز عن الكذب ، قبلنا شهادتهم ، فكذا هاهنا . سلّمنا أنّ الكافر ليس بعدل ، إلّا أن قوله :
ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
عامّ ، وقوله :
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
خاصّ ؛ فإنّه أوجب شهادة العدل منّا في الحضر ، واكتفى بشهادة من لا يكون منّا في السّفر ، فهذه الآية خاصّة ، والآية التي ذكروها عامّة ، والخاصّ مقدّم على العامّ ، لا سيّما
هامش
( 1 ) في أ : والنّفاء . ( 2 ) سقط في أ .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 572 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب