تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
الصّيد ، و « رماحكم » يعني : الكبار من الصّيد
« لِيَعْلَمَ اللَّهُ »
قاله الواحدي « 1 » وغيره ، وقال مقاتل بن حيان : كانت الوحوش والطّير تغشاهم في رحالهم ، حتى يقدرون على أخذها بالأيدي ، وصيدها بالرّماح « 2 » . وقال بعضهم : هذا غير جائز ؛ لأن الصّيد المتوحّش هو الممتنع دون ما لا يمتنع .
« لِيَعْلَمَ اللَّهُ »
قيل : اللام متعلّقة ب « ليبلونّكم » ، والمعنى : ليتميّز أو ليظهر لكم ، وقد مضى تحقيقه في البقرة ، وأنّ هذه تسمّى لام كي ، وقرأ بعضهم « 3 » : « ليعلم » بضم الياء وكسر اللام من « أعلم » ، والمفعول الأوّل على هذه القراءة محذوف ، أي : ليعلم اللّه عباده ، والمفعول الثاني هو قوله :
« مَنْ يَخافُهُ »
ف « أعلم » منقولة بهمزة التعدية لواحد بمعنى « عرف » وهذا مجاز ؛ لأنّه - تعالى - عالم لم يزل ولا يزال ، واختلفوا في معناه ، فقيل : يعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم ، وقيل : ليظهر المعلوم ، وهو خوف الخائف ، وقيل : هذا بحذف المضاف والتّقدير : ليعلم أولياء اللّه من يخافه بالغيب ، وقيل : ليرى اللّه لأنّه قد علمه . وقوله تعالى :
« بِالْغَيْبِ »
أي : يخاف اللّه ولم يره ، كقوله تعالى :
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ
[ الأنبياء : 49 ] أي : يخافون ، فلا يصطادون في حال الإحرام ، وكقوله تعالى :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
[ البقرة : 3 ] ، وقيل : معنى يخافه بالغيب أي : بإخلاص وتحقيق ، ولا يختلف الحال بسبب حضور واحد أو غيبته ، كما في حقّ المنافقين الذين
إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ
[ البقرة : 14 ] . قوله تعالى :
« بِالْغَيْبِ »
في محلّ نصب على الحال من فاعل « يخافه » ، أي : يخافه ملتبسا بالغيب ، وقد تقدّم معناه في البقرة [ الآية 3 ] . والمعنى : من يخافه حال كونه غائبا عن رؤيته ، كقوله تعالى :
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ
[ ق : 33 ] . وجوّز أبو البقاء « 4 » ثلاثة أوجه : أحدها : ما ذكرناه . والثاني : أنه حال من « من » في « من يخافه » . والثالث : أنّ الباء بمعنى « في » ، والغيب مصدر واقع موقع غائب ، أي : يخافه في المكان الغائب عن الخلق ، فعلى هذا يكون متعلّقا بنفس الفعل قبله ، وعلى الأوّلين يكون متعلّقا بمحذوف على ما عرف .
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 12 / 71 . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 576 ) عن مقاتل بن حيان وعزاه لابن أبي حاتم . ( 3 ) قرأ بها الزهري كما في المحرر الوجيز 2 / 236 ، والبحر المحيط 4 / 20 ، والدر المصون 2 / 606 . ( 4 ) ينظر : الإملاء 1 / 226 .