فأمّا قراءة الكوفيّين فواضحة لأنّ « مثل » صفة ل « جزاء » ، أي : فعليه « جزاء » موصوف بكونه « مثل ما قتله » أي مماثله .
قالوا : ولا ينبغي إضافة جزاء إلى المثل ، ألا ترى أنّه ليس عليه جزاء مثل ما قتل في الحقيقة ، إنّما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثل المقتول الذي لم يقتله .
وجوّز مكي « 1 » وأبو البقاء « 2 » وغيرهما أن يرتفع « مثل » على البدل ، وذكر الزجّاج « 3 » وجها غريبا ، وهو أن يرتفع « مثل » على أنه خبر ل « جزاء » ، ويكون « جزاء » مبتدأ ، قال :
« والتقدير : فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل » ؛ قال شهاب الدين : ويؤيّد هذا الوجه قراءة عبد اللّه : « فجزاؤه مثل » ، إلّا أن الأحسن أن يقدّر ذلك المحذوف ضميرا يعود على المقتول ، لا أن يقدّره : « فجزاء ذلك الفعل » و « مثل » بمعنى مماثل قال مكيّ : قاله الزمخشريّ « 4 » ، وهو معنى اللّفظ ، فإنّها في قوّة اسم فاعل ، إلّا أنّ مكّيّا توهّم أن « مثلا » قد يكون بمعنى غير مماثل ؛ فإنه قال : « ومثل » في هذه القراءة - يعني قراءة الكوفيين - بمعنى مماثل ، والتقدير : فجزاء مماثل لما قتل ، يعني في القيمة ، أو في الخلقة ؛ على اختلاف العلماء ، ولو قدّرت مثلا على لفظه ، لصار المعنى : فعليه جزاء مثل المقتول من الصّيد ، وإنما يلزم جزاء المقتول بعينه لا جزاء مثله ؛ لأنه إذا ودى جزاء مثل المقتول ، صار إنما ودى جزاء ما لم يقتل ؛ لأنّ مثل المقتول لم يقتله ، فصحّ أن المعنى : فعليه جزاء مماثل للمقتول ، ولذلك بعدت القراءة بالإضافة عند جماعة ، قال شهاب الدين « 5 » :
« مثل » بمعنى مماثل أبدا ، فكيف يقول « ولو قدّرت مثلا على لفظه » ؟ وأيضا فقوله : « لصار المعنى إلى آخره » هذا الإشكال الذي ذكره لا يتصوّر مجيئه في هذه القراءة أصلا ، وإنما ذكره الناس في قراءة الإضافة ؛ كما سيأتي ، وكأنه نقل هذا الإشكال من قراءة الإضافة إلى قراءة التنوين .
وأمّا قراءة باقي السّبعة ، فاستبعدها جماعة ، قال الواحديّ : « ولا ينبغي إضافة الجزاء إلى المثل ؛ لأنّ عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله ، فإنه لا جزاء عليه لمّا لم يقتله » .
وقال مكيّ « 6 » بعد ما تقدّم عنه : « ولذلك بعدت القراءة بالإضافة عند جماعة ؛ لأنها توجب جزاء مثل الصيد المقتول » ولا التفات إلى هذا الاستبعاد ؛ فإنّ أكثر القراء عليها ، وقد أجاب الناس عن ذلك بأجوبة سديدة ، لمّا خفيت على أولئك طعنوا في المتواتر ، منها : أنّ « جزاء » مصدر مضاف لمفعوله ؛ تخفيفا ، والأصل : فعليه جزاء مثل ما قتل ، أي : أن يجزي مثل ما قتل ، ثم أضيف ، كما تقول : « عجبت من ضرب زيدا » ثم « من
هامش
( 1 ) ينظر : المشكل 1 / 244 .
( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 226 .
( 3 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 228 .
( 4 ) ينظر : الكشاف 1 / 678 .
( 5 ) ينظر : الدر المصون 2 / 607 .
( 6 ) ينظر : المشكل 1 / 344 .