قوله تعالى :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 94 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 94 )
اللام جواب قسم محذوف ، أي : واللّه ، ليبلونّكم ، وقد تقدّم أنه تجب اللام وإحدى النونين في مثل هذا الجواب واللام في « ليبلونّكم » مفتوحة لالتقاء الساكنين . قوله تعالى :
« بِشَيْءٍ »
متعلّق ب « ليبلونّكم » أي : ليختبرنّكم بشيء ؛ وقوله تعالى :
« مِنَ الصَّيْدِ » :
في محلّ جرّ صفة ل « شيء » فيتعلّق بمحذوف ، و « من » الظاهر أنها تبعيضية ؛ لأنه لم يحرّم صيد الحلال ، ولا صيد الحلّ ، ولا صيد البحر ، وقيل : إنها لبيان الجنس ، وقال مكيّ « 1 » : « وقيل « من » لبيان الجنس ، فلما قال « بشيء » لم يعلم من أي جنس هو ، فبيّن ، فقال :
« مِنَ الصَّيْدِ »
؛ كما تقول : لأعطينّك شيئا من الذّهب » ، وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء ، ثم قال « 2 » : « وقيل : إنّها للتبعيض » ، وكونها للبيان فيه نظر ؛ لأنّ الصّحيح أنها لا تكون للبيان ، والقائل بأنها للبيان يشترط أن يكون المبيّن بها معرّفا بأل الجنسيّة ؛ كقوله :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
[ الحج : 30 ] ، وبه قال ابن عطيّة « 3 » أيضا ، والزّجّاج هو الأصل في ذلك ، فإنه قال « 4 » : وهذا كما تقول : « لأمتحننّك بشيء من الرّزق » ، وكما قال تعالى :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
.
والمراد بالصّيد : المصيد ، لقوله تعالى :
تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ
والصّيد إذا كان بمعنى المصدر يكون حدثا ، وإنما يوصف بنيل الأيدي والرّماح ما يكون عينا .
قوله تعالى :
« تَنالُهُ »
في محلّ جر ؛ لأنّه صفة ثانية ل « شيء » ، وأجاز أبو البقاء « 5 » أن يكون حالا : إمّا من الصّيد ، وإمّا من « شيء » ، وإن كان نكرة ؛ لأنه قد وصف فتخصّص ، واستبعد أبو حيان جعله حالا من الصّيد ، ووجه الاستبعاد : أنه ليس المقصود بالحديث عنه ، وقرأ الجمهور : « تناله » بالمنقوطة فوق ؛ لتأنيث الجمع ، وابن وثّاب والنخعي « 6 » بالمنقوطة من تحت ؛ لأنّ تأنيثه غير حقيقيّ .
فإن قيل : نزلت هذه الآية عا م « الحديبية » ، وكانوا محرمين ابتلاهم اللّه بالصّيد ، وكانت الوحوش تغشى رحالهم من كثرتها ، فهمّوا بأخذها ، فنزلت هذه الآية أي : ليختبرنّكم .
وفائدة البلوى : إظهار المطيع من العاصي ، وإنّما بعّض الصّيد ؛ لأنه ابتلاهم بصيد البرّ خاصّة ، وقيل : صيد الإحرام دون صيد الإحلال .
وقوله تعالى :
« تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ »
يعني : الفرخ والبيض ، وما لا يقدر أن يضرّ من صغار
هامش
( 1 ) ينظر : المشكل 1 / 243 .
( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 225 .
( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 236 .
( 4 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 227 .
( 5 ) ينظر : الإملاء 1 / 226 .
( 6 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 236 ، والبحر المحيط 4 / 20 ، والدر المصون 2 / 605 .