تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
العصمة ؛ فقويت » « 1 » ، قال أبو حيّان « 2 » : « وأما ما ذكر من أن مقدار الجرم في ترك البعض مثل الجرم في ترك الكلّ محال ممتنع ، فلا استحالة فيه ؛ لأن للّه تعالى أن يرتّب على الذنب اليسير العقاب العظيم ، وبالعكس ، ثم مثّل بالسارق الآخذ خفية يقطع ويردّ ما أخذ ، وبالغاصب يؤخذ منه ما أخذ دون قطع » . وقال الواحديّ : أي : إن يترك إبلاغ البعض ، كان كمن لم يبلّغ ؛ لأنّ تركه البعض محبط لإبلاغ ما بلّغ ، وجرمه في كتمان البعض كجرمه في كتمان الكلّ ؛ في أنه يستحقّ العقوبة من ربّه ، وحاشا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يكتم شيئا ممّا أوحى اللّه تعالى إليه ، وقد قالت عائشة - رضي اللّه عنها - : « من زعم أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتم شيئا من الوحي ، فقد أعظم على اللّه الفرية ، واللّه تعالى يقول :
« يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ »
، ولو كتم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا من الوحي ، لكتم قوله تعالى :
وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ
[ الأحزاب : 37 ] الآية » ، وهذا قريب من الأجوبة المتقدّمة ؛ ونظير هذه الآية في السؤال المتقدّم الحديث الصحيح عن عمر بن الخطّاب - رضي اللّه تعالى عنه - : « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله » : فإنّ نفس الجواب هو نفس الشرط ، وأجابوا عنه بأنه لا بد من تقدير تحصل به المغايرة ، فقالوا : « تقديره : فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله نيّة وقصدا فهجرته إلى اللّه ورسوله حكما وشرعا ، ويمكن أن يأتي فيه جواب الرّازيّ الذي اختاره . وقرأ « 3 » نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر : « رسالاته » جمعا ، والباقون : « رسالته » بالتوحيد ، ووجه الجمع : أنه عليه السّلام بعث بأنواع شتّى من الرسالة ؛ كأصول التوحيد ، والأحكام على اختلاف أنواعها ، والإفراد واضح ؛ لأنّ اسم الجنس المضاف يعمّ جميع ذلك ، وقد قال بعض الرسل :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي
[ الأعراف : 62 ] ، وبعضهم قال :
رِسالَةَ رَبِّي
[ الأعراف : 79 ] ؛ اعتبارا للمعنيين . قوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
أي : يحفظك ، ويمنعك من النّاس . روي أنّه - عليه الصلاة والسلام - نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه عليها ، فأتاه أعرابيّ - وهو نائم - ، فأخذ سيفه واخترطه ، وقال : يا محمّد من يمنعك منّي ؟ فقال : « اللّه » فرعدت يد الأعرابيّ ، وسقط من يده ، وضرب برأسه الشّجرة حتى انتثر دماغه « 4 » ، فأنزل اللّه تعالى
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
.
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 528 ) وعزاه لأبي الشيخ عن الحسن مرسلا . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 539 . ( 3 ) ينظر : السبعة 246 ، والحجة 3 / 239 ، وحجة القراءات 232 ، والعنوان 88 ، وإعراب القراءات 1 / 148 ، وشرح الطيبة 4 / 233 ، وشرح شعلة 353 ، وإتحاف 1 / 540 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 648 ) عن محمد بن كعب القرظي وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 530 ) وعزاه للطبري وحده .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 440 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب