تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
أي : فلم تعط ما يعدّ نائلا ، وإلّا يتكاذب البيت ، يعني بالتكاذب أنه قد قال : « فلم تبخل » فيتضمّن أنه أعطى شيئا ، فقوله بعد ذلك : « ولم تعط نائلا » لو لم يقدّر نائلا يعتدّ به ، تكاذب ، وفيه نظر ؛ فإن قوله « لم تبخل ولم تعط » لم يتواردا على محلّ واحد ؛ حتّى يتكاذبا ، فلا يلزم من عدم التقدير الذي قدّره ابن عطية كذب البيت ، وبهذا الذي ذكرته يتعيّن فساد قول من زعم أنّ هذا البيت ممّا تنازع فيه ثلاثة عوامل : سئلت وتبخل وتعط ، وذلك لأن قوله : « ولم تبخل » على قول هذا القائل متسلّط على طائل ، فكأنه قيل : فلم تبخل بطائل ، وإذا لم يبخل به ، فقد بذله وأعطاه ، فيناقضه قوله بعد ذلك « ولم تعط نائلا » . وقد أفسد ابن الخطيب « 1 » جواب ابن عطيّة فقال : « أجاب الجمهور ب « إن لم تبلّغ واحدا منها ، كنت كمن لم يبلّغ شيئا » ، وهذا ضعيف ؛ لأنّ من ترك البعض وأتى بالبعض ، فإن قيل : إنه ترك الكلّ ، كان كذبا ، ولو قيل : إن مقدار الجرم في ترك البعض مثل الجرم في ترك الكل ، فهذا هو المحال الممتنع ؛ فسقط هذا الجواب ، والأصحّ عندي : أن يقال : خرج هذا الجواب على قانون قوله : [ الرجز ]
2008 - أنا أبو النّجم وشعري شعري « 2 »
ومعناه : أنّ شعري قد بلغ في الكمال والفصاحة والمتانة إلى حيث متى قيل : إنه شعري ، فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يزاد عليها ، وهذا الكلام يفيد المبالغة التامّة من هذا الوجه ، فكذا هنا ، كأنه قال : فإن لم تبلّغ رسالاته ، فما بلّغت رسالاته ، يعني : أنه لا يمكن أن يوصف ترك التبليغ بتهديد أعظم من أنه ترك التبليغ ، فكان ذلك تنبيها على غاية التهديد والوعيد » . قال أبو حيان « 3 » : « وما ضعّف به جواب الجمهور لا يضعّف به ؛ لأنه قال : « فإن قيل : إنه ترك الكلّ ، كان كذبا » ، ولم يقولوا ذلك ، إنما قالوا : إنّ بعضها ليس أولى بالأداء من بعض ، فإن لم تؤدّ بعضها ، فكأنّك أغفلت أداءها جميعها ، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلّها ؛ لإدلاء كلّ منها بما يدلي به غيرها ، وكونها كذلك في حكم شيء واحد ، والشيء الواحد لا يكون مبلّغا غير مبلّغ ، مؤمنا به غير مؤمن به ؛ فصار ذلك التبليغ للبعض غير معتدّ به » ، قال شهاب الدين « 4 » : وهذا الكلام الأنيق ، أعني : ما وقع به الجواب عن اعتراض الرّازيّ كلام الزمخشري أخذه ونقله إلى هنا ، وتمام كلام الزمخشريّ : أن قال بعد قوله : « غير مؤمن » ، وعن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - : « إن كتمت آية لم تبلّغ رسالاتي » « 5 » ، وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « بعثني اللّه برسالاته ، فضقت بها ذرعا ، فأوحى اللّه إليّ : إن لم تبلّغ رسالاتي ، عذّبتك وضمن لي
هامش
( 1 ) ينظر : الرازي 12 / 48 . ( 2 ) تقدم 996 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 539 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 2 / 571 . ( 5 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 6 / 157 ) عن ابن عباس .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 439 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب