تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
وقيل : نزلت في الجهاد « 1 » وذلك أنّ المنافقين كرهوه ، كما قال تعالى :
فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ
[ محمد : 20 ] فكرهه بعض المؤمنين . قال تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ
[ النساء : 77 ] الآية ، وكان النّبيّ - صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلّم - يمسك في بعض الأحايين عن الحثّ عن الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، والمعنى : بلّغ واصبر على تبليغ ما أنزله إليك من كشف أسرارهم وفضائح أفعالهم ، فإنّ اللّه تعالى يعصمك من كيدهم ومكرهم ، وقيل : نزلت في حجّة الوداع ، لمّا بيّن الشّرائع والمناسك قال : هل بلّغت ؟ قالوا : نعم قال : اللّهم فاشهد « 2 » ، وقيل : لمّا نزلت آية التّخيير وهي قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها
[ الأحزاب : 28 ] فلم يعرضها عليهنّ خوفا من اختيارهنّ للدّنيا فنزلت . قوله تعالى :
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
، أي : وإن لم تفعل التبليغ ، فحذف المفعول به ، ولم يقل : « وإن لم تبلّغ فما بلّغت » لما تقدّم في قوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا
في البقرة [ آية : 24 ] ، والجواب لا بدّ أن يكون مغايرا للشرط ؛ لتحصل الفائدة ، ومتى اتّحدا ، اختلّ الكلام ، لو قلت : « إن أتى زيد ، فقد جاء » ، لم يجز ، وظاهر قوله : « وإن لم تفعل ، فما بلّغت » اتحاد الشرط والجزاء ، فإن المعنى يؤول ظاهرا إلى قوله : وإن لم تفعل ، لم تفعل ، وأجاب الناس عن ذلك بأجوبة ؛ أسدّها : ما قاله الزمخشريّ ، وقد أجاب بجوابين : أحدهما : أنه إذا لم يمتثل أمر اللّه في تبليغ الرّسالات وكتمها كلّها ؛ كأنه لم يبعث رسولا - كان أمرا شنيعا لا خفاء بشناعته ، فقيل : إن لم تبلّغ أدنى شيء ، وإن كلمة واحدة ، فكنت كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلّها ، كما عظّم قتل النفس في قوله :
فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
[ المائدة : 32 ] . والثاني : المراد : وإن لم تفعل ذلك ، فلك ما يوجب كتمان الوحي كلّه من العقاب ، فوضع السّبب موضع المسبّب ؛ ويؤيده : « فأوحى اللّه إليّ : إن لم تبلّغ رسالاتي ، عذّبتك » . وأجاب ابن عطية « 3 » : أي : وإن تركت شيئا ، فقد تركت الكلّ ، وصار ما بلّغت غير معتدّ به ، فمعنى « وإن لم تفعل » : « وإن لم تستوف » ؛ ونحو هذا قول الشاعر : [ الطويل ]
2007 - سئلت فلم تبخل ، ولم تعط نائلا ، * فسيّان لا حمد عليك ولا ذمّ « 4 »
هامش
( 1 ) انظر المصدر السابق . ( 2 ) المصدر السابق . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 218 . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 539 ، المحرر الوجيز 2 / 218 ، الدر المصون 2 / 570 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 438 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب