تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
أنّهم لو تركوا ذلك الكفر لانقلب [ الأمر ] « 1 » وحصل الخصب والسّعة . قوله تعالى :
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
. قيل : المراد منه المبالغة في شرح السّعة والخصب ، والمعنى : لأكلوا أكلا متّصلا كثيرا ، كما يقال : « فلان في الخير من فوقه إلى قدمه » يريد كثرة الخير عنده ؛ قاله الفرّاء « 2 » . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : المراد
« مِنْ فَوْقِهِمْ »
نزول المطر ، و
« مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ »
خروج النّبات « 3 » كقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ الأعراف : 96 ] ، وقيل : الأكل من فوق كثرة الأشجار المثمرة ، ومن تحت الأرجل الزّروع المغلة ، وقيل : يرزقهم اللّه تعالى الجنان البالغة الثّمار ما ينزل منها من رؤوس الشّجر ، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم ، وهذا إشارة إلى ما جرى على اليهود من بني قريظة وبني النّضير ، من قطع نخيلهم ، وإفساد زروعهم وقوله تعالى :
« مِنْهُمْ »
خبر مقدّم ، و « أمّة » مبتدأ ، و « مقتصدة » صفتها ، وعلى رأي الأخفش يجوز أن تكون « أمّة » فاعلا بالجار ، وقوله :
« مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ »
تنويع في التفصيل ، فأخبر في الجملة الأولى ، بالجارّ والمجرور ، ووصف المبتدأ بالاقتصاد ، ووصف المبتدأ في الجملة الثانية ب « منهم » ، وأخبر عنه بجملة قوله :
« ساءَ ما يَعْمَلُونَ »
؛ وذلك لأنّ الطائفة الأولى ممدوحة ، فوصفوا بالاقتصاد ، وأخبر عنهم بأنّهم من جملة أهل الكتاب ؛ فإنّ الوصف ألزم من الخبر ؛ فإنهم إذا أسلموا ، زال عنهم هذا الاسم ، وأما الطائفة الثانية ، فإنهم وصفوا بكونهم من أهل الكتاب ؛ فإنّ الوصف ألزم ، وهم كفّار فهم منهم ، وأخبر عنهم بالجملة الذّمّيّة ، فإنّ الخبر ليس بلازم ، وقد يسلم منهم ناس ، فيزول عنهم الإخبار بذلك .

[ فصل في اختلافهم بالمراد بالأمة المقتصدة ]

المراد بالأمّة المقتصدة : مؤمنو أهل الكتاب ، كعبد اللّه بن سلام من اليهود والنّجاشيّ من النّصارى ، « مقتصدة » أي : عادلة غير غالية ولا مقصّرة ، والاقتصاد في اللّغة : الاعتدال في العمل من غير غلوّ ولا تقصير . وقيل : المراد بالأمّة المقتصدة : كفّار أهل الكتاب الذين يكونون عدولا في دينهم ، ولا يكون فيهم عناد شديد ولا غلظة ، كما قال تعالى :
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
[ آل عمران : 75 ] .
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 12 / 40 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 645 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 527 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس