تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
مثله ، أي : يلتزم إعمال العامل الثاني ، وهو خارج عن قياس التنازع ، وتقدّم لك نظيره ، والفرق بين العداوة والبغضاء : أن العداوة كلّ شيء مشتهر يكون عنه عمل وحرب ، والبغضاء لا تتجاوز النفوس ، قاله ابن عطيّة « 1 » وقال أبو حيان « 2 » : « العداوة أخصّ من البغضاء ؛ لأنّ كلّ عدوّ مبغض ، وقد يبغض من ليس بعدوّ » . قوله تعالى :
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
، وهذا نوع آخر من أنواع المحن في اليهود ، وهو أنّهم كلّما همّوا بأمر من الأمور جعلوا فيه خاسرين خائبين مقهورين مغلوبين . قال المفسرون « 3 » : يعني اليهود أفسدوا وخالفوا حكم التّوراة ، فبعث اللّه عليهم بختنصّر ثمّ أفسدوا فبعث عليهم طيطوس الرّومي ، ثم أفسدوا فسلّط اللّه عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فبعث اللّه عليهم المسلمين . وقيل : كلّما أجمعوا أمرهم ليفسدوا أمر محمّد - صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم - وأوقدوا نارا لمحاربته أطفأها اللّه ، فردّهم وقهرهم ونصر دينه ونبيّه ، وهذا قول الحسن « 4 » وقال قتادة : هذا عامّ في كل حرب طلبته اليهود ، فلا تلقى اليهود في بلد إلا وجدتهم من أذلّ النّاس « 5 » . قوله تعالى :
« لِلْحَرْبِ »
فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « أوقدوا » ، أي : أوقدوها لأجل الحرب . والثاني : أنه صفة ل « نارا » فيتعلّق بمحذوف ، وهل الإيقاد حقيقة أو مجاز ؟ قولان . و « أطفأها اللّه » جواب « كلّما » ، وهو أيضا حقيقة أو مجاز ؛ على حسب ما تقدّم ، والحرب مؤنثة في الأصل مصدر وقد تقدّم الكلام عليها في البقرة ، وقوله : « فسادا » قد تقدّم نظيره [ الآية 33 من المائدة ] ، وأنه يجوز أن يكون مصدرا من المعنى ؛ وحينئذ لك اعتباران : أحدهما : ردّ الفعل لمعنى المصدر ، والثاني : ردّ المصدر لمعنى الفعل ، وأن يكون حالا ، أي : يسعون سعي فساد ، أو : يفسدون بسعيهم فسادا ، أو : يسعون مفسدين ، وأن يكون مفعولا من أجله ، أي : يسعون لأجل الفساد والألف واللام في « الأرض » يجوز أن تكون للجنس وأن تكون للعهد . ثم قال :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
، وهذا يدلّ على أنّ السّاعي في الأرض بالفساد ممقوت عند اللّه . قوله تعالى :

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 65 إلى 66 ]

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 65 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ( 66 )
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 216 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 536 . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 2 / 50 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 643 ) . ( 5 ) أخرجه الطبري ( 4 / 643 ) وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في « الدر المنثور » ( 2 / 526 ) عن قتادة .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 433 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب