تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
فإن قيل : إنّه تعالى ذكر المسارعة [ لفائدة ؛ وهي أنّهم ] « 1 » كانوا يقدمون على هذه المنكرات [ كأنهم محقّون ] « 2 » فيها وقد تقدّم حكم « ما » مع بئس ونعم . قوله تعالى :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 63 ]

لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 63 ) و « لولا » : حرف تحضيض ومعناه التوبيخ أي : هلّا ، وقرأ الجرّاح وأبو واقد : « الرّبّيّون » مكان الرّبانيّين ، قال الحسن - رحمه اللّه - : « الرّبانيّون علماء أهل الإنجيل ، والأحبار علماء أهل التّوراة » « 3 » ، وقال غيره « 4 » : كلّهم في اليهود ؛ لأنّه متّصل بذكرهم ، والمعنى : أنّ اللّه استبعد من علماء أهل الكتاب أنّهم ما نهوا سفلتهم وعوامّهم عن المعاصي ، وذلك يدلّ على أنّ ترك النّهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه ؛ لأنّه تعالى ذمّ الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد ، بل نقول : أنّ ذمّ تارك النهي عن المنكر أقوى ؛ لأنّه قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكلهم السّحت :
« لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
وقال في العلماء « 5 » التّاركين للنّهي عن المنكر :
« لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ »
والصّنع أقوى من العمل ؛ فإنّما العمل يسمّى صناعة ، إذا صار مستقرّا راسخا متمكّنا ، فجعل [ حرم ] « 6 » العاملين ذنبا غير راسخ ، وذنب التّاركين للنهي المنكر ذنبا راسخا ، والأمر في الحقيقة راسخا كذلك ؛ لأنّ المعصية مرض الرّوح ، وعلاجه العلم باللّه وبصفاته وبأحكامه ، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية ، كان كالمريض الذي يعالج بأدويته ، قلّ فيها الشّفاء ، ومثل هذا المرض صعب شديد لا يكاد يزول ، وكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دلّ على أنّ مرض فقد الإيمان في غاية القوّة والشّدّة . روي عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - قال : هي أشدّ آية في القرآن « 7 » ، وعن الضّحّاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها « 8 » . وقرأ « 9 » ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - « بئسما » بغير لام قسم ، و « قولهم » مصدر مضاف لفاعله ، و « الإثم » مفعوله .
هامش
( 1 ) في أ : لأنهم . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 6 / 123 ) عن الحسن . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 12 / 34 . ( 5 ) ينظر : المصدر السابق . ( 6 ) سقط في أ . ( 7 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 638 ) عن ابن عباس وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 524 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم . ( 8 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 638 ) عن الضحاك وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 524 - 525 ) وزاد نسبته لابن المبارك في « الزهد » وعبد بن حميد وابن المنذر . ( 9 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 214 ، وفيه : « وقرأ عباس » وينظر : البحر المحيط 3 / 532 ، والدر المصون 2 / 565 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 424 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب