تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
الرابع : أنه منصوب على المدح ، قدّره أبو البقاء « 1 » ب « أعني » ، وكان ينبغي أن يقدّره فعلا دالّا على المدح ، نحو : « أمدح » ، وقد رجّح الزمخشريّ هذا الأخير ، فقال : « والأوجه أن ينتصب « رسلا » على المدح » . قوله : « لئلّا » هذه لام كي ، وتتعلّق ب « منذرين » على المختار عند البصريّين ، وب « مبشّرين » على المختار عند الكوفيّين ؛ فإن المسألة من التنازع ، ولو كان من إعمال الأول ، لأضمر في الثاني من غير حذف ، فكان يقال : مبشّرين ومنذرين [ له ] لئلا ، ولم يقل كذلك ، فدلّ على مذهب البصريّين ، وله في القرآن نظائر تقدّم منها جملة صالحة ، وقيل : اللام تتعلّق بمحذوف ، أي : أرسلناهم لذلك ، و « حجّة » اسم « كان » ، وفي الخبر وجهان : أحدهما : هو « على اللّه » و « للنّاس » حال . والثاني : أن الخبر « للنّاس » و « على اللّه » حال ، ويجوز أن يتعلّق كلّ من الجارّ والمجرور بما تعلّق به الآخر ، إذا جعلناه خبرا ، ولا يجوز أن يتعلّق على اللّه ب « حجّة » ، وإن كان المعنى عليه ؛ لأنّ معمول المصدر لا يتقدم عليه ، و « بعد الرّسل » متعلق ب « حجّة » ، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة ل « حجّة » ؛ لأنّ ظروف الزمان توصف بها الأحداث ؛ كما يخبر بها عنها ؛ نحو : « القتال يوم الجمعة » .

فصل في جواب الآية عن شبهة اليهود

هذه الآية جواب عن شبهة اليهود ، وتقريره : أن المقصود من بعثة الرّسل أن يبشّروا وينذروا ، وهذا المقصود حاصل سواء كان الكتاب نازلا دفعة واحدة أو منجّما ، ولا يختلف هذا الغرض بنزول الكتاب منجّما أو دفعة واحدة . بل لو قيل : إن إنزال الكتاب منجّما مفرّقا أقرب إلى المصلحة ، لكان أولى ؛ لأن الكتاب إذا نزل دفعة واحدة ، كثرت التّكاليف على المكلّف ، فيثقل فعلها ؛ ولهذا السّبب أخذ قوم موسى - عليه السلام - على التمرّد ، ولم يقبلوا تلك التّكاليف . أمّا إذا نزل الكتاب منجّما مفرّقا ، سهل قبوله للتّدريج ، فحينئذ يحصل الانقياد والطّاعة من القوم ، فكان اقتراح اليهود إنزال الكتاب دفعة واحدة اقتراحا فاسدا . ثم قال :
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
يعني : هذا الذي تطلبونه من الرسول أمر هيّن في القدرة ، وإنما طلبتموه على سبيل اللّجاج ، وهو - تعالى - عزيز ، وعزّته تقتضي ألا يجاب المتعنّت إلى مطلوبه ، وكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع ؛ لعلمه - تعالى - بأنّه لو فعل ذلك لبقوا مصرّين على اللّجاج ؛ لأنه - تعالى - أعطى موسى - [ عليه الصلاة والسلام ] « 2 »
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 203 . ( 2 ) سقط في أ .