تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
عليهم بقوله :
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
قال :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ
بمعنى أنهم لا يشهدون ، لكن اللّه يشهد » ، ثم ذكر الوجه الأول . وقرأ الجمهور بتخفيف « لكن » ورفع الجلالة ، والسّلميّ « 1 » والجرّاح الحكمي بتشديدها ونصب الجلالة ، وهما كالقراءتين في
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ
[ البقرة : 102 ] وقد تقدّم ، والجمهور على « أنزله » مبينا للفاعل ، وهو اللّه تعالى ، والحسن « 2 » قرأه « أنزل » مبنيّا للمفعول ، وقرأ السلميّ « 3 » « نزّله بعلمه » مشدّدا ، والباء في « بعلمه » للمصاحبة ، أي : ملتبسا بعلمه ، فالجارّ والمجرور في محلّ نصب على الحال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : الهاء في « أنزله » . والثاني : الفاعل في « أنزله » أي : أنزله عالما به ، و
« الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ »
مبتدأ وخبر ، يجوز أن تكون حالا أيضا من المفعول في « أنزله » ، أي : والملائكة يشهدون بصدقه ، ويجوز ألّا يكون لها محلّ ، وحكمه حينئذ كحكم الجملة الاستدراكيّة قبله ، وقد تقدّم الكلام على مثل قوله :
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
[ النساء : 6 ] . فصل قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : إن رؤساء مكّة أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وشرّف وكرّم ومجّد وعظّم وقالوا : يا محمّد ، إنا سألنا عنك اليهود ، عن صفتك في كتابهم ، فزعموا أنّهم لا يعرفونك ودخل عليه جماعة من اليهود ، فقال لهم : « والله إنكم لتعلمن أني رسول الله » . فقالوا : ما نعلم ذلك واللّه ، فأنزل اللّه - تعالى - :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ [ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
] « 4 » إن جحدوك وكذّبوك ، وشهادة اللّه عرفت بإنزال هذا القرآن البالغ في الفصاحة إلى حيث عجز الأوّلون والآخرون عن معارضته ، فكان ذلك معجزا ، وإظهار المعجزة شهادة بكون المدّعي صادقا ، ولما كانت شهادته إنما عرفت بإنزاله بواسطة القرآن ، قال :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ
لك بالنّبوّة ، بواسطة إنزال هذا القرآن عليك ، ثم بيّن صفة هذا « 5 » الإنزال ، وهو أنّه - تعالى - أنزله بعلم تامّ ، وحكمة بالغة . فقوله بغاية الحسن ونهاية الكمال ؛ كما يقال في الرّجل المشهور بكمال الفضل والعلم ، إذا صنّف كتابا واستقصى في تحريره : إنّه إنما صنّف هذا بكمال علمه وفضله ، يعني : أنه اتّخذ جملة علومه وسيلة إلى تصنيف هذا الكتاب ، فيدلّ ذلك على وصف ذلك التّصنيف
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 138 ، والبحر المحيط 3 / 415 ، والدر المصون 2 / 467 . ( 2 ) ينظر القراءة السابقة . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 415 ، والدر المصون 2 / 467 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 9 / 409 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 439 ) وزاد نسبته لابن إسحق والبيهقي في الدلائل والخبر في « السيرة النبوية » لابن هشام ( 2 / 211 ) عن ابن عباس . ( 5 ) في ب : ذلك .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 139 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب