أبيّ كذلك وهي « 1 » قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفيّ ، وهذا لا يصحّ عن عائشة ولا أبان ، وما أحسن قول الزمخشريّ رحمه اللّه : « ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف ، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ، ومن لم يعرف
هامش
- واحد منهما زوج . الذكر زوج ، والأنثى زوج ا ه . قال أعداء الإسلام : فهذه الرواية تدل على تصرّف نساخ المصحف واختيارهم ما شاءوا في كتابة القرآن ورسمه .
والجواب أن كلام زيد هذا لا يدل على ما زعموا . إنما يدل على أنه بيان لوجه ما كتبه وقرأه سماعا وأخذا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم لا تصرّفا وتشهيا من تلقاء نفسه . وكيف يتصور هذا من الصحابة في القرآن وهم مضرب الأمثال في كمال ضبطهم وتثبتهم في الكتاب والسنة . لا سيما زيد بن ثابت ، وقد عرفت فيما سبق من هو زيد في حفظه . وأمانته ودينه وورعه ؟ وعرفت دستوره الدقيق الحكيم في كتابة الصحف والمصاحف ! « فأنى يؤفكون » ؟ .
يقولون : إن مروان هو الذي قرأ « ملك يوم الدين » من سورة الفاتحة بحذف الألف من لفظ « مالك » .
ويقولون : إنه حذفها من تلقاء نفسه دون أن يرد ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فضلا عن أن يتواتر عنه قراءة ولفظا ، أو يصح كتابة ورسما .
والجواب أن هذا كذب فاضح ( أولا ) لأنه ليس لهم عليه حجة ولا سند .
( ثانيا ) أن الدليل قام ، والتواتر تمّ والإجماع انعقد ، على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قرأ لفظ« مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ »بإثبات الألف وحذفها ، وأخذ أصحابه عنه ذلك . فممن قرأ بهما عليّ وابن مسعود وأبيّ بن كعب . وممن قرأ بالقصر أي حذف الألف أبو الدرداء وابن عباس وابن عمر . وممن قرأ بالمد أي إثبات الألف أبو بكر وعمر وعثمان رضي اللّه عنهم أجمعين . وهؤلاء كلهم كانوا قبل أن يكون مروان ، وقبل أن يولد مروان ، وقبل أن يقرأ مروان . وقصارى ما في الأمر أن مروان اتفق أن روايته كانت القصر فقط . وذلك لا يضرنا في شيء . كما اتفق أن رواية عمر بن عبد العزيز كانت المد فقط .
( ثالثا ) أن كلمة « مالك » رسمت في المصحف العثماني بالألف هكذا « ملك » كما سبق .
والخلاصة أن تلك الشبهة وما ماثلها ، مدفوعة بالنصوص القاطعة ، والأدلة الناصعة ، على أن جميع القرآن الذي أنزله اللّه وأمر بإثباته ورسمه ولم ينسخه ناسخ في تلاوته ، هو هذا الذي حواه مصحف عثمان بين الدفتين ، لم ينقص منه شيء ، ولم يزد فيه شيء ، بل إن ترتيبه ونظمه كلاهما ثابت على ما نظمه اللّه سبحانه وتعالى ورتبه رسوله صلى اللّه عليه وسلم من آي وسور . لم يقدم من ذلك مؤخر ، ولم يؤخر منه مقدم . وقد ضبطت الأمة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ترتيب آي كل سورة ومواقعها ، كما ضبطت منه نفس القراءات وذات التلاوة . على ما سبق وما سيجيء في الكلام على القراءات إن شاء اللّه .
فليلاحظ دائما في الرد على أمثال تلك الشبهات أمران :
( أولهما ) تلك القاعدة الذهبية التي وضعها العلماء : وهي أن خبر الآحاد إذا عارض القاطع سقط عن درجة الاعتبار ، وضرب به عرض الحائط ، مهما تكن درجة إسناده من الصحة .
( ثانيهما ) خطّ الدفاع الذي أقمناه في المبحث الثامن حصنا حصينا دون النيل من الصحابة واتهامهم بسوء الحفظ أو عدم التثبت والتحري ، خصوصا في كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . مناهل العرفان 1 / 379 - 390 .
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 2 / 135 ، البحر المحيط 3 / 411 ، والدر المصون 2 / 461 .