تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
إسناديّ » . [ قال شهاب الدين ] « 1 » وهذا - كما ترى - قد أساء العبارة في حق الزمخشريّ ؛ بما زعم أنه غلط ، وهو صحيح مستقيم ، وليت شعري كيف لا ينتظم الإسناد من « أحد » الموصوف بالجملة التي بعده ، ومن الجارّ قبله ؟ ونظيره أن تقول : « ما في الدّار رجل إلّا صالح » فكما أن « في الدار » خبر مقدّم ، و « رجل » مبتدأ مؤخر ، و « إلّا صالح » صفته ، وهو كلام مفيد مستقيم ، فكذلك هذا ، غاية ما في الباب أنّ « إلّا » دخلت على الصفة ؛ لتفيد الحصر ، وأما ردّه عليه حيث قال : جملة قسميّة ، وإنما هي جواب القسم ، فلا يحتاج إلى الاعتذار عنه ، ويكفيه مثل هذه الاعتراضات . واللام في « ليؤمننّ » جواب قسم محذوف ، كما تقدّم . وقال أبو البقاء « 2 » : « ليؤمننّ جواب قسم محذوف ، وقيل : أكّد بها في غير القسم ؛ كما جاء في النفي والاستفهام » ، فقوله : « وقيل . . . إلى آخره » إنما يستقيم ذلك ، إذا أعدنا الخلاف إلى نون التوكيد ؛ لأنّ نون التوكيد قد عهد التأكيد بها في الاستفهام باطّراد ، وفي النفي على خلاف فيه ، وأما التأكيد بلام الابتداء في النفي والاستفهام ، فلم يعهد البتة ، وقال « 3 » أيضا قبل ذلك : « وما من أهل الكتاب أحد ، وقيل : المحذوف « من » وقد مرّ نظيره ، إلا أنّ تقدير « من » هنا بعيد ، لأن الاستثناء يكون بعد تمام الاسم ، و « من » الموصولة والموصوفة غير تامّة » ، يعني أن بعضهم جعل ذلك المحذوف لفظ « من » ، فيقدّر : وإن من أهل من إلّا ليؤمننّ ، فجعل موضع « أحد » لفظ « من » ، وقوله : « وقد مرّ نظيره » ، يعني قوله تعالى :
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
[ آل عمران : 199 ] ومعنى التنظير فيه أنه قد صرّح بلفظ « من » المقدّرة ههنا . وقرأ أبيّ « 4 » : « ليؤمننّ به قبل موتهم » بضم النون الأولى مراعاة لمعنى « أحد » المحذوف ، وهو وإن كان لفظه مفردا ، فمعناه جمع ، والضمير في « به » لعيسى - عليه السلام - ، وقيل : للّه تعالى ، وقيل : لمحمّد - عليه السلام - ، وفي « موته » لعيسى ، ويروى في التفسير ؛ أنه حين ينزل إلى الأرض يؤمن به كلّ أحد ، حتى تصير الملّة كلّها إسلامية وهو قول قتادة ، وابن زيد « 5 » وغيرهما ، وهو اختيار الطّبريّ . وقيل : يعود على « أحد » المقدّر ، أي : لا يموت كتابيّ حتى يؤمن بعيسى قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه . ونقل عن ابن عبّاس ذلك ، فقال له عكرمة : أفرأيت إن خرّ بيت أو احترق أو أكله سبع ؟ قال : لا يموت حتّى يحرّك بها شفتيه ، أي : بالإيمان بعيسى « 6 » .
هامش
( 1 ) ينظر : الدر المصون 2 / 459 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 202 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 201 . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 408 ، والدر المصون 2 / 460 . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 9 / 380 ، 381 ) عن قتادة وابن زيد . ( 6 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 9 / 383 ) عن ابن عباس .