إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ آل عمران : 55 ] .
ثم قال :
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
، والمراد بالعزّة : كمال القدرة ، ومن الحكمة :
كمال العلم ، نبّه بهذا على أنّ رفع عيسى - عليه السلام - إلى السّموات وإن [ كان ] « 1 » كالمتعذّر على البشر ، لكنّه لا بدّ فيه من النّسبة إلى قدرتي وحكمتي ؛ كقوله - تعالى - :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[ الإسراء : 1 ] فإنّ الإسراء « 2 » وإن كان متعذّرا بالنّسبة إلى قدرة محمّد ، إلا أنّه سهل بالنسبة إلى قدرة اللّه - تعالى - .
قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 159 ]
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ( 159 )
« 3 » لما ذكر فضائح اليهود وقبح أفعالهم ، وأنّهم قصدوا قتل عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأنّه « 4 » لم يحصل لهم ذلك المقصود ، وأنّ عيسى - عليه السلام - حصل له أعظم المناصب ، بيّن أن هؤلاء اليهود الذين بالغوا في عداوته ، لا يخرج أحد منهم من الدّنيا إلا بعد أن يؤمن به ، فقال :
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
، « إن » هنا نافية بمعنى « ما » ، و « من أهل » يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أنه صفة لمبتدأ محذوف ، والخبر الجملة القسمية المحذوفة وجوابها ، والتقدير : وما أحد من أهل الكتاب إلّا واللّه ليؤمننّ به ، فهو كقوله :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ الصافات : 164 ] ، أي : ما أحد منّا ، وكقوله :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ مريم :
71 ] أي : ما أحد منكم إلّا واردها ، هذا هو الظاهر .
والثاني - وبه قال الزمخشري وأبو البقاء « 5 » - : أنه في محلّ الخبر ، قال الزمخشري : « وجملة
« لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ »
جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف ، تقديره :
وإن من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمننّ به ، ونحوه :
« وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ »
« وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها »
، والمعنى : « وما من اليهود أحد إلا ليؤمنن » ، قال أبو حيان « 6 » : « وهو غلط فاحش ؛ إذ زعم أن
« لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ »
جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف إلى آخره ، وصفة « أحد » المحذوف إنما الجار والمجرور ؛ كما قدّرناه ، وأمّا قوله :
« لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ »
، فليست صفة لموصوف ، ولا هي جملة قسمية ، إنما هي جملة جواب القسم ، والقسم محذوف ، والقسم وجوابه خبر للمبتدأ ، إذ لا ينتظم من « أحد » ، والمجرور إسناد ؛ لأنه لا يفيد ، وإنما ينتظم الإسناد بالجملة القسمية وجوابها ، فذلك هو محطّ الفائدة ، وكذلك أيضا الخبر هو
« إِلَّا لَهُ مَقامٌ »
، وكذلك
« إِلَّا وارِدُها »
؛ إذ لا ينتظم مما قبل « إلّا » تركيب
هامش
( 1 ) سقط في أ .
( 2 ) في أ : الإسراف .
( 3 ) سقط في أ .
( 4 ) في أ : عليه السلام وأنهم .
( 5 ) ينظر : الإملاء 1 / 201 .
( 6 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 408 .