تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 595

مساهمون:

ص٥٩٥
الأوّل : أن يكون في وطنه في راحة ورفاهية فيظن « 1 » أنه بمفارقته للوطن يقع في الشّدّة وضيق العيش ، فأجاب اللّه عن ذلك بقوله :
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً .
قال القرطبي « 2 » : قوله :
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
شرط ، وجوابه :
يَجِدْ فِي الْأَرْضِ .
واشتقاق المراغم من الرغام « 3 » وهو التّراب ؛ يقولون : رغم أنفه ، ويريدون أنه وصل إلى شيء يكرهه ؛ لأن الأنف عضو في غاية العزّة ، والتّراب في غاية الذّلّة ، فجعلوا قولهم : رغم أنفه كناية عن الذّلّ ، إذا عرف هذا ، [ فنقول ] « 4 » المشهور « 5 » أن هذه المراغمة إنّما حصلت بسبب فراقهم ، وخروجهم عن ديارهم ، وعن ابن عبّاس : « مراغما » [ أي ] « 6 » : متحوّلا [ يتحوّل إليه ] « 7 » « 8 » . وقال مجاهد : متزحزحا عما يكره « 9 » ، وقيل : سمّيت المهاجرة مراغمة ؛ لأن من يهاجر يراغم قومه ؛ لأنه لا يجد في ذلك [ البلد ] « 10 » من النّعمة والخير ، ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه الّذين كانوا معه في بلدته الأصليّة ، فإنه إذا استقام حاله في تلك البلد الأجنبيّة ، ووصل خبره إلى أهل بلدته ، خجلوا من سوء معاملتهم له ، ورغمت أنوفهم بذلك وهذا أولى الوجوه . وأمّا المانع الثاني عن الهجرة : فهو أن الإنسان يقول : إن خرجت عن بلدي لطلب هذا الغرض ، فربما وصلت إليه ، وربّما لم أصل إليه ، فالأولى ألّا أضيع الرّفاهية الحاضرة بسبب طلب شيء قد يحصل وقد لا يحصل ، فأجاب اللّه - تعالى - عن ذلك بقوله :
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ .
والمراد ب « السّعة » : سعة الرّزق ، وقيل : سعة من الضّلال إلى الهدى . قوله - تعالى - :
وَمَنْ يَخْرُجْ [ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
] « 11 » . روي أنه لما نزلت هذه الآية ، سمعها رجل من بني ليث شيخ كبير مريض يقال له : جندع بن ضمرة ، فقال : واللّه ما أنا ممّن استثنى اللّه - عز وجل - ، وإني لأجد حيلة ،
هامش
( 1 ) في أ : فنظر . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 5 / 223 . ( 3 ) في أ : الرغامة . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : فالمشهور . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) سقط في ب . ( 8 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 9 / 119 ) عن ابن عباس والضحاك وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 368 ) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 9 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 9 / 120 ) عن مجاهد وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 368 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 10 ) سقط في ب . ( 11 ) سقط في أ .