تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
وثانيها : أن الانتفاع بهذه الشهوات وسائل إلى منافع الآخرة ، واللّه تعالى ندب إليها ، فكان تزيينا لها ، أمّا كونها وسائل إلى ثواب الآخرة أنه يتصدق بها ، ويتقوّى بها على الطاعة وأيضا إذا علم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق اللّه حمله ذلك على الاشتغال بالشكر . قال الصاحب بن عبّاد : « شرب الماء البارد في الصّيف يستخرج الحمد من أقصى القلب » وأيضا فإن القادر على التمتّع باللذات إذا تركها واشتغل بالعبادة ، وتحمل ما في ذلك من المشقة كان أكثر ثوابا . وثالثها : قوله تعالى :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة : 29 ] ، وقوله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
[ الأعراف : 32 ] ، وقوله :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها
[ الكهف : 7 ] وقال :
خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
[ الأعراف : 33 ] ، وقال :
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ
[ البقرة : 202 ] ، وقال :
كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً
[ البقرة : 168 ] ، وكل ذلك يدل على أن التزيين من اللّه تعالى . القول الثالث - وهو اختيار الجبائي والقاضي - : وهو التفصيل ، فإن كان حراما فالتزيين فيه من الشيطان ، وإن كان واجبا ، أو مندوبا ، فالتزيين فيه من اللّه تعالى ذكره القاضي في تفسيره وبقي قسم ثالث ، وهو المباح الذي ليس في فعله ثواب ، ولا في تركه عقاب ، وكان من حق القاضي أن يذكره فلم يذكره . ويبيّن التزيين فيه ، هل هو من اللّه تعالى أو من الشيطان ؟ وقرأ مجاهد « 1 » : « زيّن » مبنيّا للفاعل ، و « حب » مفعول به نصا ، والفاعل إما ضمير اللّه تعالى ؛ المتقدم ذكره في قوله :
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ ،
وإما ضمير الشيطان ، أضمر - وإن لم يجر له ذكر - لأنه أصل ذلك ، فذكر هذه الأشياء مؤذن بذكره ، وأضاف المصدر لمفعوله في
حُبُّ الشَّهَواتِ .
والشهوات جمع شهوة - بسكون العين - فحرّكت في الجمع ، ولا يجوز التسكين إلا في ضرورة ، كقوله : [ الطويل ]
1358 - وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها * وما لي بزفرات العشيّ يدان « 2 »
بتسكين الفاء . والشهوة مصدر يراد به اسم المفعول ، أي : المشتهيات ، فهو من
هامش
( 1 ) وبها قرأ الضحاك ينظر المحرر الوجيز 1 / 408 ، والبحر المحيط 2 / 413 ، والدر المصون 2 / 31 ، والقرطبي 4 / 20 . ( 2 ) البيت لعروة بن حزام ينظر خزانة الأدب 3 / 380 ، والدرر 1 / 86 ، ولأعرابي من بني عذرة في شرح التصريح 2 / 298 ، والمقاصد النحوية 4 / 519 ، وأوضح المسالك 4 / 304 ، وشرح الأشموني 3 / 668 ، وشرح ابن عقيل ص 634 ، وهمع الهوامع 1 / 24 ، والدر المصون 2 / 31 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 71 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب