تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
فذلك هو كمال المحبة ، فإن كان ذلك في جانب الخير ، فهو كمال السعادة ، كقول سليمان :
إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ
[ ص : 32 ] ، ومعناه : أحب الخير ، وأحب أن أكون محبا للخير ، وإن كان ذلك في جانب الشرّ فهو كما قال في هذه الآية ؛ فإن قوله :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ
يدل على ثلاثة أمور مترتبة : أولها : أنه يشتهي أنواع المشتهيات . ثانيها : أنه يحب شهوته لها . ثالثها : أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة . ولما اجتمعت هذه الدرجات الثلاث في هذه القضية بلغت الغاية القصوى في الشدة ، فلا تنحلّ إلا بتوفيق عظيم من اللّه تعالى ، ثم إنه أضاف ذلك إلى الناس ، ولفظ « النّاس » عام ، دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق ، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس ، والعقل - أيضا - يدل عليه ؛ لأن كل ما كان لذيذا ونافعا فهو محبوب ، ومطلوب لذاته ، والمنافع قسمان : جسماني ، وروحاني ، فالجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر ، والروحاني لا يحصل إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة ، ثم إن انجذاب نفسه إلى اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب ، فلا جرم كان الغالب على الخلق هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية ، فلهذا السبب عم اللّه هذا الحكم في الكل . قوله تعالى :
مِنَ النِّساءِ
في محل نصب على الحال من الشهوات ، والتقدير : حال كون الشهوات من كذا وكذا ، فهي مفسرة لها في المعنى . ويجوز أن تكون « من » لبيان الجنس ، لقول الزمخشريّ : « ثم يفسره بهذه الأجناس » . كقوله :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
[ الحج : 30 ] ، والمعنى : فاجتنبوا الأوثان التي هي رجس . وقدم النساء على الكل ، قال القرطبيّ : لكثرة تشوّق النفوس إليهن ؛ لأنهن حبائل الشيطان ، وفتنة الرجال ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرّجال من النّساء » أخرجه البخاري ومسلم « 1 » لأن الالتذاذ منهن أكثر ، والاستئناس بهن أتمّ ، ولذلك قال
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 7 / 14 ) كتاب النكاح باب ما يتقى من شؤم . . . الخ ( 5096 ) ومسلم ( 4 / 2097 ) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء ( 97 - 2740 ) والترمذي ( 2780 ) وأحمد ( 5 / 200 ) والبيهقي ( 7 / 91 ) والطبراني ( 1 / 133 ) وعبد الرزاق ( 20608 ) وأبو نعيم في « الحلية » ( 3 / 35 ) وابن عساكر ( 2 / 395 - تهذيب ) والخطيب في « تاريخ بغداد » ( 12 / 329 ) .