تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
أن البصر لا يخالف المبصر ؛ لجواز أن يحصل خلل في البصر ، وسوء في النظر ، فيتخيل الباصر الشيء شيئين فأكثر ، وبالعكس . احتج من قال : إن الرائي هو المشركون بوجوه : الأول : أن تعلّق الفعل بالفاعل أشدّ من تعلّقه بالمفعول ، فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلا وأبعدهما مفعولا أولى من العكس ، وأقرب المذكورين هو قوله :
كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ .
الثاني : مقدّم الآية - وهو قوله :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ
خطاب مع الكفار ، فقراءة نافع - بالتاء - تكون خطابا مع أولئك الكفار ، والمعنى : ترون يا مشركي قريش المسلمين مثليهم ، فهذه القراءة لا تساعد إلا على كون الرائي مشركا . الثالث : أن اللّه تعالى جعل هذه الحالة آية للكفار حتى تكون حجّة عليهم ، ولو كانت هذه الحالة حاصلة للمؤمن لم يصح جعلها حجّة على الكافر . واحتج من قال : الراءون هم المسلمون بأن الرائين لو كانوا هم المشركين لزم رؤية ما ليس بموجود وهو محال - ولو كان الراءون هم المؤمنين لزم أن لا يرى ما هو موجود ، وهذا ليس بمحال فكان أولى ، قال ابن مسعود : نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا ، ثم قللهم اللّه - أيضا - في أعينهم حتى رأوا عددا يسيرا أقل من أنفسهم ، قال ابن مسعود : « حتّى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة ، فأسرنا رجلا منهم ، فقلنا : كم كنتم ؟ قال : ألفا » « 1 » .

[ فصل في وجه النظم ]

فصل وجه النظم أنه - تعالى - لما أنزل الآية المتقدمة في اليهود ، وهي قوله :
سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ ،
فدعاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الإسلام ، أظهروا التمرد ، وقالوا : لسنا أمثال قريش في الضعف ، وقلة المعرفة بالقتال ، بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما نغلب به كلّ من ينازعنا ، فقال تعالى : إنكم - وإن كنتم [ أغنياء ] « 2 » ، أقوياء ، أرباب قدرة وعدة فإنكم - ستغلبون ، ثم ذكر - تعالى - ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك ، فقال :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا
يعني واقعة بدر ؛ فإن الكثرة والعدّة كانت للكفار ، والقلة وعدم السلاح من جانب المسلمين ، ثم إن اللّه تعالى قهر الكفار ، ونصر المسلمين ، وهذا يدل على أن النصر بتأييد اللّه ونصره .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في تفسيره 6 / 234 ، وذكره السيوطي في الدر المنثور 2 / 17 . ( 2 ) سقط في أ .