تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
أحدهما : أنها البصرية ، ويؤيد ذلك تأكيده بالمصدر المؤكد ، وهو قوله : « رأي العين » . قال الزمخشريّ : « رؤية ظاهرة مكشوفة ، لا لبس فيها » ؛ لأن الإدراك عند المعتزلة واجب الحصول عند اجتماع الشرائط ، وسلامة الحاسّة ، ولهذا اعتذر القاضي عن هذا الموضع [ بوجوه ] « 1 » : أحدها : أن عند الاشتغال بالمحاربة لا يتفرغ الإنسان لأن يدير حدقته حول العسكر ، وينظر إليهم على سبيل التأمل . وثانيها : أنه قد يحصل من الغبار ما يمنع من إدراك البعض . وثالثها : يجوز أن يقال : إن اللّه تعالى خلق في الهواء ما منع من إدراك ثلث العسكر ، [ فعلى هذا ] « 2 » ، يتعدى لواحد ، ومثليهم نصب على الحال . الثاني : أنها من رؤية القلب ، فعلى هذا يكون « مثليهم » مفعولا ثانيا ، وقد ردّه أبو البقاء فقال : ولا يجوز أن تكون الرؤية من رؤية القلب - على كل الأقوال - لوجهين : أحدهما : قوله : « رأي العين » . الثاني : أن رؤية القلب علم ، ومحال أن يعلم الشيء شيئين . وأجيب عن [ الوجه ] « 3 » الأول بأن انتصابه انتصاب المصدر التشبيهي ، أي : رأيا مثل رأي العين ، أي : يشبه رأي العين ، فليس إياه على التحقيق ، وعن الثاني بأن الرؤية هنا يراد بها الاعتقاد ، فلا يلزم المحال المذكور ، وإذا كانوا قد أطلقوا العلم - في اللغة - على الاعتقاد - دون اليقين - فلأن يطلقوا عليه الرأي أولى وأحرى . ومن إطلاق العلم على الاعتقاد قوله تعالى :
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ
[ الممتحنة : 10 ] ؛ إذ لا سبيل إلى العلم اليقيني في ذلك ؛ إذ لا يعلم ذلك إلّا الله تعالى ، فالمعنى : فإن اعتقدتموهن ، والاعتقاد قد يكون صحيحا ، وقد يكون فاسدا ، ويدل على هذا التأويل قراءة من قرأ « ترونهم » - بالتاء والياء مبنيّا للمفعول - ؛ لأن قولهم : أرى كذا - بضم الهمزة - يكون فيما عند المتكلم فيه شك وتخمين ، لا يقين وعلم ، فلما كان اعتقاد التضعيف في جمع الكفار ، أو في جمع المؤمنين تضمينا وظنا ؛ لا يقينا دخل الكلام ضرب من الشكّ ، وأيضا - كما يستحيل حمل الرؤية هنا على العلم - يستحيل أيضا حملها على رؤية البصر بعين ما ذكرتم من المحال ، وذلك كما أنه لا يقع العلم غير مطابق للمعلوم ، كذلك لا يقع النظر البصري غير مطابق لذلك الشيء المبصر المنظور إليه ، فكان المراد التخمين والظن ، لا اليقين والعلم ، كذا قيل ، وفيه نظر ؛ لأنا لا نسلم
هامش
( 1 ) في أ : من وجوه . ( 2 ) في ب : ففي . ( 3 ) سقط في أ .