[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 119 ]
ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 119 )
لما شرح أحوال المؤمنين والكافرين ، شرع في تحذير المؤمنين عن مخالطة الكافرين ، وأكد الزجر عن الركون إلى الكفار ، وهو متّصل بما سبق من قوله :
إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ .
قوله :
مِنْ دُونِكُمْ
يجوز أن يكون صفة ل « بطانة » ، فيتعلق بمحذوف ، أي : كائنة من غيركم .
وقدره الزمخشريّ : من غير أبناء جنسكم وهم المسلمون .
ويجوز أن يتعلق بفعل النهي ، وجوّز بعضهم أن تكون « من » زائدة ، والمعنى :
دونكم في العمل والإيمان .
وبطانة الرجل : خاصّته الذين يباطنهم في الأمور ، ولا يظهر غيرهم عليها ، مشتقة من البطن ، والباطن دون الظاهر ، وهذا كما استعاروا الشعار والدّثار في ذلك ، قال صلى اللّه عليه وسلم :
« النّاس دثار ، والأنصار شعار » « 1 » .
والشعار : ما يلي الجسد من الثياب . ويقال : بطن فلان بفلان ، بطونا ، وبطانة .
قال الشاعر : [ الطويل ] .
1582 - أولئك خلصاني ، نعم وبطانتي * وهم عيبتي من دون كلّ قريب « 2 »
فالبطانة مصدر يسمّى به الواحد والجمع ، وأصله من البطن ، ومنه : بطانة الثوب غير ظهارته .
فإن قيل : قوله :
لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً
نكرة في سياق النفي ، فيقتضي العموم في النهي عن مصاحبة الكفار ، وقد قال تعالى :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ
فكيف الجمع فيهما .
فالجواب : أن الخاص مقدّم على العام .
قوله :
لا يَأْلُونَكُمْ
لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من الكافرين ذكر علّة النهي ، وهي أمور :
أحدها : قوله :
لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا
يقال : ألا في الأمر ، يألو فيه ، أي : قصّر - نحو غزا يغزو - فأصله أن يتعدى بحرف الجر كما ترى . واختلف في نصب « خبالا » على وجوه :
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة ( 12 / 160 ) ، ( 14 / 480 ، 527 ) والبزار كما في « مجمع الزوائد » ( 8 / 220 ) .
وقال الهيثمي : وفيه إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل وهو متروك والحديث ذكره المتقي الهندي في « كنز العمال » ( 30204 ) .
( 2 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 35 ومجمع البيان 2 / 176 والقرطبي 4 / 178 والدر المصون 2 / 193 .