تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
الأول : قال أبو مسلم : إن البياض عبارة عن الاستبشار ، والسواد عبارة عن الغم ، وهذا مجاز مستعمل قال تعالى :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا
[ النحل : 58 ] ، ويقال : لفلان عندي يد بيضاء . وقال بعضهم في الشيب : [ الخفيف ]
1563 - يا بياض القرون سوّدت وجهي * عند بيض الوجوه سود القرون
فلعمري لأخفينّك جهدي * عن عياني ، وعن عيان العيون
بسواد فيه بياض لوجهي * وسواد لوجهك الملعون « 1 »
وتقول العرب - لمن نال بغيته ، وفاز بمطلوبه - : ابيضّ وجهه ، ومعناه : الاستبشار والتهلل ، ويقال - لمن وصل إليه مكروه - : اربدّ وجهه ، واغبرّ لونه ، وتغيرت صورته ، فعلى هذا معنى الآية : إن المؤمن مستبشر بحسناته ، وبنعيم اللّه ، والكافر على ضد ذلك . الثاني : أن البياض والسواد يحصلان حقيقة ؛ لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولا دليل يصرفه ، فوجب المصير إليه ، ولأبي مسلم أن يقول : بل معنا دليل يصرفه ، وهو قوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ
[ عبس : 38 - 41 ] ، فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك والاستبشار فلو لم يكن المراد ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلا له .

[ فصل في احتجاجهم بهذه الآية على أن المكلّف إما مؤمن وإما كافر ]

فصل احتجوا بهذه الآية على أن المكلّف إما مؤمن ، وإما كافر ، وليس - هنا - قسم ثالث كما قاله المعتزلة - فلو كان ثمّ ثالث لذكره ، قالوا : ويؤيده قوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
[ عبس : 38 - 42 ] . وأجاب القاضي : بأن ترك القسم الثالث لا يدل على عدمه ؛ لأنه تعالى قال :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ،
فذكرهما منكرين ، وذلك لا يفيد العموم ، وأيضا فالمذكور في الآية هم المؤمنون والذين كفروا بعد إيمانهم ، ومعلوم أن الكافر الأصليّ من أهل النار ، مع أنه لم يدخل في هذا التقسيم ، فكذلك الفساق . وأجيب بوجهين : الأول : أن المراد منه كل من أسلم وقت استخراج الذريّة من صلب آدم ، رواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فيدخل الكل فيه . الثاني : أنه قال :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ،
فجعل موجب العذاب هو الكفر ، سواء كفر بعد الإيمان أو كان كافرا أصليّا . قال الزمخشري : هم المنافقون ، آمنوا بألسنتهم ، وأنكروا بقلوبهم .
هامش
( 1 ) الأبيات لابن الرومي . ينظر ديوانه 6 / 2483 ونهاية الأرب 2 / 30 وأمالي القالي 1 / 144 .