تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
وقال عكرمة : هم أهل الكتاب ، آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يبعث ، فلما بعث كفروا به . قوله :
أَ كَفَرْتُمْ
هذه الجملة في محلّ نصب بقول مضمر ، وذلك القول المضمر - مع فاء مضمرة - أيضا - هو جواب « أما » ، وحذف الفاء مع القول مطرد ، وذلك أن القول يضمر كثيرا ، كقوله تعالى :
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
[ الرعد : 23 - 24 ] . وقوله :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا
[ الزمر : 3 ] ، وقوله :
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا
[ البقرة : 127 ] ، وأما حذفها دون إضمار القول فلا يجوز إلا في ضرورة . كقوله : [ الطويل ]
1564 - فأمّا القتال لا قتال لديكم * ولكنّ سيرا في عراض المواكب « 1 »
أي : فلا قتال . وقال صاحب « أسرار التنزيل » : إنّ النحاة اعترض عليهم - في قولهم : لما حذف يقال : حذفت الفاء ؛ بقوله تعالى :
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ
[ الجاثية : 31 ] ، فحذف يقال ، ولم يحذف الفاء ، فلما بطل هذا تعيّن أن يكون الجواب في قوله :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ،
فوقع ذلك جوابا له ، ولقوله :
أَ كَفَرْتُمْ
ومن نظم العرب - إذا ذكروا حرفا يقتضي جوابا له - أن يكتفوا عن جوابه حتى يذكروا حرفا آخر يقتضي جوابا ، ثم يجعلون له جوابا واحدا ، كما في قوله :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ البقرة : 38 ] ، فقوله : « فلا خوف عليهم » جواب للشرطين معا ، وليس « أفلم تكن آياتي » جواب « إما » بل الفاء عاطفة على مقدّر ، والتقدير : أأهملتكم ، فلم أتل عليكم آياتي ؟ قال أبو حيان : وهو كلام أديب لا كلام نحويّ ، أما قوله : قد اعترض على النحاة ، فيكفي في بطلان هذا الاعتراض أنه اعتراض على جميع النحاة ؛ لأنه ما من نحويّ إلا خرّج الآية على إضمار : فيقال لهم : أكفرتم ، وقالوا : هذا هو فحوى الخطاب ، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدّر لا يستغني المعنى عنه ، فالقول بخلافه مخالف للإجماع ، فلا التفات إليه . وأما ما اعترض به من قوله :
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي
[ الجاثية : 31 ] وأنهم قدروه : فيقال لهم : أفلم تكن آياتي ، فحذف فيقال ولم تحذف الفاء ، فدل على بطلان هذا التقدير - فليس بصحيح ، بل هذه الفاء التي بعد الهمزة في « أفلم » ليست فاء « فيقال » التي هي جواب « أما » - حتى يقال : حذف « يقال » وبقيت الفاء ، بل الفاء التي هي جواب « أما » و « يقال » بعدها - محذوف ، وفاء « أفلم » يحتمل وجهين :
هامش
( 1 ) تقدم برقم 329 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 455 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب