تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨

[ فصل في أن لعنة اللّه مخالفة للعنة الملائكة ]

فصل اعلم أن لعنة اللّه مخالفة للعنة الملائكة ؛ لأن لعنته بالإبعاد من الجنة ، وإنزال العذاب ، واللعنة من الملائكة ، ومن الناس هي بالقول ، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم . فإن قيل : لم عمّ جميع النّاس ، ومن يوافقه لا يلعنه ؟ فالجواب من وجوه : أحدها : قال أبو مسلم : له أن يلعنه ، وإن كان لا يلعنه . الثاني : أنّهم في الآخرة يلعن بعضهم بعضا ، لقوله تعالى :
كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها
[ الأعراف : 38 ] وقال :
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
[ العنكبوت : 25 ] وعلى هذا فقد حصل اللّعن للكفار ومن يوافقهم . الثالث : كأن الناس هم المؤمنون ، والكفّار ليسوا من النّاس . الرابع : وهو الأصح - أنّ جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ، ولكنّه يعتقد في نفسه أنّه ليس بمبطل ولا بكافر فإذا لعن الكافر - وكان هو في علم اللّه كافرا - فقد لعن نفسه ، وهو لا يعلم ذلك . قوله : «
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
» معنى الإنظار : التّأخير ، قال تعالى :
فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ
[ البقرة : 280 ] والمعنى : لا يخفّف ، ولا يؤخّر من وقت إلى وقت ، ثم قال :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
ثم بيّن أن التوبة وحدها لا تكفي ، حتّى يضاف إليها العمل الصالح ، فقال :
وَأَصْلَحُوا
أي : أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات ، ومع الخلق بالعبادات ، وذلك أنّ الحارث بن سويد لمّا لحق بالكفّار ندم ، وأرسل إلى قومه أن سلوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هل لي من توبة ؟ ففعلوا فأنزل اللّه
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فحملها إليه رجل من قومه ، وقرأها عليه ، فقال الحارث : إنك واللّه ما علمت - لصدوق ، وإنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصدق منك ؛ وإنّ اللّه - عزّ وجل - لأصدق الثلاثة ، فرجع الحارث إلى المدينة ، وأسلم ، وحسن إسلامه . وفي قوله :
غَفُورٌ رَحِيمٌ
وجهان : الأول : أن اللّه غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر ، رحيم في الآخرة بالعفو . الثاني : غفور بإزالة العقاب ، رحيم بإعطاء الثواب ، ونظيره قوله :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
[ الأنفال : 38 ] . ودخلت الفاء في قوله : « فإن اللّه » لشبه الجزاء ؛ إذ الكلام قد تضمّن معنى : إن تابوا فإن اللّه يغفر لهم . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 90 ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 ) قوله : « كفرا » تمييز منقول من الفاعلية ، والأصل : ثم ازداد كفرهم ، والدال الأولى
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 378 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب