تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
منهم من قال : إنّ قوله تعالى :
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً
وما بعده إلى قوله :
وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
نزل جميعه في قصة واحدة ، ومنهم من قال : ابتداء القصة من قوله « إلا الذين تابوا » إلى « إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار » على التقديرين ففيها - أيضا - قولان : أحدهما : أنها في أهل الكتاب . والثاني : أنها في قوم مرتدين عن الإسلام ، آمنوا ثم ارتدوا .

[ فصل في أقوال المعتزلة وأهل السنة ]

فصل قالت المعتزلة : أصولنا تشهد بأن اللّه هدى جميع الخلق إلى الدّين ؛ بمعنى : التعريف ووضع الدلائل وفعل الألطاف ، فلو لم يعمّ الكلّ بهذه الأشياء لصار الكافر والضالّ معذورا ، ثم إنه تعالى - حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار ، فلا بد من تفسير هذه الهداية بشيء آخر سوى نصب الدلائل ، ثم ذكروا فيه وجوها : الأول : أن المراد من هذه الهداية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ؛ ثوابا لهم على إيمانهم ، كقوله :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] وقوله :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً
[ محمد : 17 ] وقوله :
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ
[ المائدة : 16 ] فهذه الآيات تدل على أن المهتدي قد يزيده اللّه هدى . الثاني : أن المراد أنه - تعالى - لا يهديهم إلى الجنة ، قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ
[ النساء : 168 - 169 ] وقال :
يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ
[ يونس : 9 ] . والثالث : أنه لا يمكن أن يكون المراد من الهداية خلق المعرفة فيه ؛ لأنه - على هذا التّقدير - يلزم أن يكون الكفر - أيضا - من اللّه ؛ لأنه - تعالى - إذا خلق المعرفة فيه كان مؤمنا مهتديا ، وإذا لم يخلقها كان كافرا ضالا ، وإذا كان الكفر من اللّه - تعالى - لم يصحّ أن يذمّهم اللّه - تعالى - على الكفر ، ولم يصحّ أن يضاف الكفر إليهم ، لكن الآية ناطقة بأنهم مذمومون بسبب الكفر ، وكونهم فاعلين للكفر ، فإنه قال :
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ؟
فأضاف الكفر إليهم ، وذمّهم عليه . وقال أهل السنة : المراد من الهداية خلق المعرفة ، وقد جرت سنّة اللّه في دار التكليف أن كلّ فعل يقصد العبد إلى تحصيله ، فإن اللّه - تعالى - يخلقه عقيب القصد من العبد ، فكأنه - تعالى - قال : كيف يخلق اللّه فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر وأرادوه ؟ فإن قيل : قال - في أول الآية - :
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا
وقوله في آخرها : «
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
» يقتضي التكرار .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 376 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب