تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
فإن قيل : قد وعد اللّه بقبول توبة من تاب ، فما معنى قوله : ف «
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
» ؟ قيل : لن تقبل توبتهم إذا وقعوا في الحشرجة ، كما قال :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
[ النساء : 18 ] قاله الحسن وقتادة وعطاء . وقيل : هذا مخصوص بأصحاب الحرث بن سويد حين أمسكوا عن الإسلام ، وقالوا : نتربّص بمحمد ، فإن ساعده الزمان نرجع إلى دينه ، لن يقبل ذلك منهم . وقال القاضي والقفال وابن الأنباري : إنه - تعالى - لما قدّم ذكر من كفر بعد الإيمان ، وبيّن أنه أهل اللعنة إلا أن يتوب ، ذكر في هذه أنه لو كفر مرة أخرى بعد تلك التوبة الأولى ، فإن تلك التوبة الأولى تعتبر غير مقبولة ، وتصير كأنها لم تكن . قال : وهذا الوجه أليق بالآية من سائر الوجوه ، لأن تقدير الآية : إلا الّذين تابوا وأصلحوا فإن اللّه غفور رحيم ، فإن كانوا كذلك ، ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم . وقال الزمخشري : قوله : «
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
» كناية عن الموت على الكفر ؛ لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر ، كأنه قيل : إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا ، ميتون « 1 » على الكفر داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم . وقيل : لعلّ المراد ما إذا تابوا عن تلك الزيادة ، ولا تصير مقبولة ما لم تحصل التوبة عن الأصل . قال ابن الخطيب : « وهذه الجوابات إنما تتمشى على ما إذا حملنا قوله : «
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً »
على المعهود السابق ، لا على الاستغراق ، وإلا فكم من مرتد تاب عن ارتداده توبة صحيحة ، مقرونة بالإخلاص في زمان التكليف ، فأما جواب القفال والقاضي ، فهو جواب مطرد ، سواء حملنا اللفظ على المعهود السابق ، أو على الاستغراق » . قوله : «
وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
» في هذه الجملة ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون في محل رفع ؛ عطفا على خبر « إنّ » ، أي : إن الذين كفروا لن تقبل توبتهم ، وإنهم أولئك هم الضّالّون . الثاني : أن تجعل معطوفة على الجملة المؤكّدة ب « إنّ » ، وحينئذ فلا محل لها من الإعراب ، لعطفها على ما لا محل له . الثالث : هو إعرابها بأن تكون الواو للحال ، فالجملة بعدها في محل نصب على الحال ، والمعنى : لن تقبل توبتهم من الذنوب ، والحال أنهم ضالّون ، فالتوبة والضلال متنافيان ، لا يجتمعان ، قاله الراغب .
هامش
( 1 ) في ب : ثابتون .