تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
قال ابن الخطيب : ويبعد عندي حمل هذه الآية على هذا السبب ؛ لأن على هذا التقدير - الآية منقطعة عما قبلها ، والاستفهام على سبيل الإنكار يقتضي تعلّقها بما قبلها ، وإنما الوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكورا في كتبهم ، وهم كانوا عارفين بذلك ، وعالمين بصدق محمد صلى اللّه عليه وسلم في النبوة ، فلم يبق كفرهم إلا مجرد عناد وحسد وعداوة ، فصاروا كإبليس حين دعاه الحسد إلى الكفر ، فأعلمهم - تعالى - أنهم متى كانوا كذلك كانوا طالبين دينا غير دين اللّه - تعالى - ثم بيّن لهم أن التمرّد على اللّه ، والإعراض عن حكمه مما لا يليق بالعقل ، فقال :
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ .
قوله : « وله أسلم من في السماوات » جملة حالية ، أي : كيف يبغون غير دينه ، والحال هذه ، وفي قوله :
طَوْعاً وَكَرْهاً
وجهان : أحدهما : أنهما مصدران في موضع الحال ، والتقدير : طائعين وكارهين . الثاني : أنهما مصدران على غير المصدر ، قال أبو البقاء : « لأن « أسلم » بمعنى انقاد ، وأطاع » وتابعه أبو حيان على هذا . وفيه نظر ؛ من حيث إن هذا ماش في « طوعا » لموافقته معنى الفعل قبله ، وأما « كرها » ، كيف يقال فيه ذلك ؟ والقول بأنه يغتفر في التوالي ما لا يغتفر في الأوائل ، غير نافع هنا . ويقال يطاع يطوع ، وأطاع يطيع بمعنى ، قاله ابن السّكيت ، وقول : طاعه يطوعه : انقاد له ، وأطاعه ، أي : رضي لأمره ، وطاوعه ، أي : وافقه . قرأ الأعمش : « وكرها » - بالضم « 1 » - وسيأتي أنها قراءة الأخوين في سورة النساء . قال الحسن : أسلم من في السماوات طوعا ، وأسلم من في الأرض بعضهم طوعا ، وبعضهم خوفا من السيف والسّبي « 2 » . وقال مجاهد « 3 » : « طوعا » المؤمن ، و « كرها » ظل الكافر ، بدليل قوله :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
[ الرعد : 15 ] . وقيل هذا يوم الميثاق ، حين قال :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : 172 ] فقال بعضهم طوعا ، وبعضهم كرها . قال قتادة « 4 » : المؤمن أسلم طوعا فنفعه ، والكافر أسلم كرها في وقت اليأس ، فلم
هامش
( 1 ) انظر : البحر المحيط 2 / 539 ، والدر المصون 2 / 158 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 567 ) عن الحسن . ( 3 ) البغوي 1 / 323 . ( 4 ) المصدر السابق .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 367 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب