تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
صدقه ، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن اللّه أمر الخلق بالإيمان به عرفوا - عند ذلك - وجوبه ، فتقرير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من الميثاق . ويحتمل أن المراد بأخذ الميثاق أنه - تعالى - شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدّمين ، وإذا صارت مطابقة لما في كتبهم المتقدمة ، وجب الانقياد له ، فقوله تعالى :
ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ
يدل على هذين الوجهين ، أما على الأول فقوله : « رسول » ، وأما على الثاني فقوله
مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ .
قوله :
قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ
فاعل « قال » يجوز أن يكون ضمير اللّه - تعالى - وهو الظاهر - وأن يكون ضمير النبي الذي هو واحد النبيين ، خاطب بذلك أمّته ، ومتعلّق الإقرار محذوف ، أي : أقررتم بذلك كله ؟ والاستفهام - على الأول - مجاز ؛ إذ المراد به التقرير والتوكيد عليهم ؛ لاستحالته في حق الباري تعالى ، وعلى الثاني : هو استفهام حقيقة . و « إصري » على الأول - الياء للّه - تعالى - وعلى الثاني للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وقرأ العامة
« إِصْرِي »
بكسر الهمزة ، وهي الفصحى ، وقرأ أبو بكر عن عاصم - في رواية - « أصري » « 1 » بضمها ثم المضموم الهمزة يحتمل أن يكون لغة في المكسور - وهو الظاهر - ويحتمل أن يكون جمع إصار ومثله أزر في جميع إزار ، والإصر : الثقل الذي يلحق الإنسان ؛ لأجل ما يلزمه من عمل ، قال الزمخشري : « سمّي العهد إصرا ؛ لأنه مما يؤصر ، أي : يشدّ ، ويعقد ، ومنه الإصار الذي يعقد به » وتقدم الكلام عليه في آخر البقرة .

[ فصل في أخذ الميثاق على النبيين ]

فصل إذا قلنا : إن اللّه - تعالى - هو الذي أخذ الميثاق على النبيين كان قوله
أَ أَقْرَرْتُمْ
معناه : أأقررتم بالإيمان به ، والنّصر له . وذلك حين استخرج الذرية من صلب آدم والأنبياء فيهم كالمصابيح - وأخذ عليهم الميثاق في أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم ثم قال :
أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ؟
أي قبلتم على ذلكم عهدي . والإصر : العهد الثقيل ؛ والإقرار في اللغة منقول بالألف من قرّ الشيء يقرّ إذا ثبت ولزم مكانه ، وأقره غيره ، والمقرّ بالشيء ، يقرّه على نفسه ، أي : يثبته . والأخذ بمعنى القبول كثير في كلامهم ، قال تعالى :
وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ
[ البقرة : 48 ] أي : لا تقبل فدية .
هامش
( 1 ) انظر : السبعة 214 ، والحجة 3 / 70 ، والمحرر الوجيز 1 / 467 ، والبحر المحيط 2 / 535 ، 536 ، والدر المصون 2 / 157 .