تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
يحتاج إلى تكلّف ، وإذا كان لا بد من التزام الإضمار ، فهذا الإضمار الذي ينتظم به الكلام نظما جليا أولى .

[ فصل في المراد بالكتاب والحكمة ]

فصل والمراد من الكتاب هو المنزّل ، المقروء ، والحكمة هي الوحي الوارد بالتكليف المفصّلة التي لم يشتمل الكتاب عليها . وكلمة « من » - في قوله :
مِنْ كُتُبٍ
تبيين ل « ما » كقولك : ما عندي من الورق دانقان . وقيل : هذا الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء ، فجميع الأنبياء ، ما أوتوا الكتاب ، وإنما أوتي بعضهم ، وإن كان مع الأمم فالإشكال أظهر . والجواب من وجهين : الأول : أن جميع الأنبياء أوتوا الكتاب بمعنى كونه مهتديا به ، داعيا إلى العمل به ، وإن لم ينزل عليه . الثاني : أشرف الأنبياء هم الذين أوتوا الكتاب ، فوصف الكل بوصف أشرفهم . فإن قيل : ما وجه قوله :
ثُمَّ جاءَكُمْ
والرسول لا يجيء إلى النبيين ، وإنما يجيء إلى الأمم ؟ فالجواب : أما إن حملنا قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ
على أخذ ميثاق أممهم ، فالسؤال قد زال ، وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيين من أنفسهم ، كان قوله :
ثُمَّ جاءَكُمْ
أي : ثم جاءكم في زمانكم . فإن قيل : كيف يكون محمد صلى اللّه عليه وسلم مصدقا لما معهم - مع مخالفة شرعه لشرعهم - ؟ فالجواب : أن المراد به حصول الموافقة في التوحيد والنبوات وأصول الشرائع ، أما تفاصيلها فإن وقع خلاف فيها فذاك في الحقيقة ليس بخلاف ؛ لأن جميع الأنبياء متفقون على أن الحق في زمان موسى ليس إلا شرعه ، وأنّ الحقّ في زمان محمد صلى اللّه عليه وسلم ليس إلا شرعه ، فهذا وإن كان يوهم الخلاف فهو في الحقيقة وفاق . وأيضا فالمراد بقوله :
مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ
هو أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم مصدق لما معهم من صفته ، وأحواله المذكورة في التوراة والإنجيل ، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما ذكر في تلك الكتب كان نفس مجيئه تصديقا لما معهم . والميثاق يحتمل وجهين : أحدهما : هو أن يكون ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر اللّه واجب ، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولا عند ظهور المعجزات الدّالّة على