تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
فامتنع في قراءة حمزة أن تكون « ما » شرطية ، كما امتنع - في قراءة الجمهور - أن تكون مصدرية . وأما قراءة التشديد ففيها أوجه : أحدها : أن « لمّا » هنا - ظرفية ، بمعنى « حين » ثم القائل بظرفيتها اختلف تقديره في جوابها ، فذهب الزمخشري إلى أن الجواب مقدّر من جنس جواب القسم ، فقال : « لمّا » - بالتشديد - بمعنى « حين » أي حين آتيتكم الكتاب والحكمة ، ثم جاءكم رسول ، وجب عليكم الإيمان به ، ونصرته . وقال ابن عطية : ويظهر أن « لمّا » هذه هي الظرفية ، أي : لما كنتم بهذه الحال رؤساء الناس وأماثلهم أخذ عليكم الميثاق ؛ إذ على القادة يؤخذ ، فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة فقدر ابن عطية جوابها من جنس ما سبقها ، وهذا الذي ذهب إليه مذهب مرجوح ، قال به الفارسيّ والجمهور وسيبويه وأتباعه والجمهور . وقال الزجّاج : أي : لما آتاكم الكتاب والحكمة ، أي : أخذ عليكم الميثاق وتكون لما يؤول إلى الجزاء ، كما تقول : لما جئتني أكرمتك . وهذه العبارة لا يؤخذ منها كون « لما » ظرفية ، ولا غير ذلك ، إلا أن فيها عاضدا لتقدير ابن عطية جوابها من جنس ما تقدمها ، بخلاف تقدير الزمخشريّ . الثاني : أن « لمّا » حرف وجوب لوجوب ، وهو مذهب سيبويه ، وجوابها كما تقدم من تقديري ابن عطية والزمخشري ، وفي قول ابن عطية : فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة - نظر ؛ إذ قراءة حمزة فيها تعليل ، وهذه القراءة لا تعليل فيها ، اللهم إلا أن يقال : لما كانت « لمّا » تحتاج إلى جواب أشبه ذلك العلة ومعمولها ؛ لأنك إذا قلت : لما جئتني أكرمتك ؛ في قوة : أكرمتك لأجل مجيئي إليه ، فهي من هذه الجهة كقراءة حمزة . والثالث : أن الأصل : لمن ما ، فأدغمت النون في الميم ، لأنها تقاربها ، والإدغام - هنا - واجب ، ولما اجتمع ثلاث ميمات : ميم « من » وميم « ما » والميم التي انقلبت من نون - من أجل الإدغام - فحصل ثقل في اللفظ ، قال الزمخشريّ : « فحذفوا إحداها » . قال أبو حيّان : وفيه إبهام ، وقد عيّنها ابن جني بأن المحذوف هي الأولى ، وفيه نظر ؛ لأن الثقل إنما حصل بما بعد الأولى ، ولذلك كان الصحيح في نظائره إنما هو حذف الثاني ، في نحو
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ
[ القدر : 4 ] وقد ذكر أبو البقاء أن المحذوفة هي النافية ، قال : « لضعفها بكونها بدلا ، وحصول التكرير بها » و « من » هذه التي في لمن ما زائدة في الواجب على رأي الأخفش - وهذا تخريج أبي الفتح ، وفيه نظر بالنسبة إلى ادّعائه زيادة « من » ، فإن التركيب يقلق على ذلك ، ويبقى المعنى غير ظاهر .