تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
فإن قيل : فهذا - أيضا - لازم عليكم ؛ لأنكم تقولون : إن إبراهيم على دين الإسلام ، والإسلام إنما نزل بعده بزمان طويل ، فإن قلتم : المراد أن إبراهيم كان في أصول الدين على مذهب المسلمين الآن ، فنقول لهم : لم لا يجوز - أيضا - أن يقول اليهود : إن إبراهيم كان يهوديّا بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه اليهود ، وتقول النصارى : إن إبراهيم كان نصرانيا بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه النصارى ؟ فكون التوراة والإنجيل نازلين بعد إبراهيم لا ينافي كونه يهوديا أو نصرانيا ، كما أن كون القرآن نازلا بعده لا ينافي كونه مسلما . فالجواب : أن القرآن أخبر أن إبراهيم كان حنيفا مسلما ، وليس في التوراة والإنجيل أن إبراهيم كان يهوديا ، أو نصرانيا ، فظهر الفرق . ثم نقول : أما كون النصارى ليسوا على ملة إبراهيم فظاهر ؛ لأن المسيح ما كان موجودا في زمان إبراهيم فما كانت عبادته مشروعة في زمان إبراهيم - لا محالة - فكان الاشتغال بعبادة المسيح مخالفة لإبراهيم - لا محالة - وأما كون اليهود ليسوا على ملة إبراهيم ، فلا شك أنه كان للّه - تعالى - تكاليف على الخلق قبل مجيء موسى عليه السلام وكان قبله أنبياء ، وكانت لهم شرائع معيّنة ، فلما جاء موسى صلى اللّه على نبينا وعليه وسلم ، فإما أن يقال : إنّ موسى جاء بتقرير تلك الشرائع ، أو بغيرها ، فإن جاء بتقريرها لم يكن موسى صاحب الشريعة ، بل كان كالفقيه المقرّر لشرع من قبله ، واليهود لا يرضون بذلك . وإذا كان جاء بشرع سوى شرع من تقدمه فقد قال بالنسخ ، فثبت أنه لا بد وأن يكون دين كلّ الأنبياء جواز القول بالنسخ ، وأن النسخ حق - واليهود ينكرون ذلك ، فثبت أن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم ، فظهر بطلان قول اليهود . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 66 إلى 68 ]

ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 66 ) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 67 ) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ( 68 ) القراء في هذه على أربع مراتب ، والإعراب متوقّف على ذلك : المرتبة الأولى للكوفيين وابن عامر والبزّي عن ابن كثير « 1 » : ها أنتم - بألف بعد الهاء ، وهمزة مخففة بعدها .
هامش
( 1 ) انظر في هذه القراءات : السبعة 207 ، والكشف 1 / 364 ، والحجة 3 / 46 ، وإعراب القراءات 1 / 114 ، وحجة القراءات 165 ، والعنوان 679 ، وشرح شعلة 315 ، 318 ، وإتحاف 1 / 480 ، 481 .