تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
فكلمه في ذلك فقال عيسى : لا تفعل فإنه إن عاش وقع الشر فقال : ما أبالي ما كان - إذا رأيته - قال عيسى : فإن أحييته تتركني وأمي نذهب حيث شئنا ؟ قال : نعم . فدعا اللّه تعالى - فعاش الغلام ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح وقالوا : أكلنا هذا ، حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه ؟ فاقتتلوا . وذهب عيسى وأمّه فمروا بالحواريّين - وهم يصطادون السمك - فقال ما تصنعون ؟ قالوا : نصطاد السمك ، قال : أفلا تمشون حتى تصطادوا الناس ؟ قالوا : من أنت ؟ قال : عيسى ابن مريم ، عبد اللّه ورسوله ،
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ؟
فآمنوا به وانطلقوا معه وصار أمر عيسى مشهورا في الخلق ، فقصد اليهود قتله ، وأظهروا الطعن فيه « 1 » . وثانيها : أن اليهود كانوا عارفين بأنه المسيح المبشّر به في التوراة ، وأنه ينسخ دينهم ، فكانوا هم أوّل طاعنين فيه ، طالبين قتله ، فلما أظهر الدعوة ، اشتد غضبهم ، وأخذوا في إيذائه وطلبوا قتله . وثالثها : أن عيسى - عليه السلام - ظنّ من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان أنهم لا يؤمنون به ، وأن دعوته لا تنجع فيهم ، فأحب أن يمتحنهم ، ليتحقق ما ظنه بهم ، فقال لهم :
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ
فما أجابه إلا الحواريّون ، فعند ذلك أحس بأن من سوى الحواريين كافرون ، مصرون على إنكار دينه ، وطلب قتله . قوله :
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ؟
« أنصار » جمع نصير نحو شريف وأشراف . وقال قوم : هو جمع نصر المراد به المصدر ، ويحتاج إلى حذف مضاف أي من أصحاب نصرتي ؟ و « إلى » على بابها ، وتتعلق بمحذوف ؛ لأنها حال ، تقديره : من أنصاري مضافين إلى اللّه ، كذا قدره أبو البقاء . وقال قوم إن « إلى » بمعنى مع أي : مع اللّه ، قال الفرّاء : وهو وجه حسن . وإنما يجوز أن تجعل « إلى » في موضع « مع » إذا ضممت الشيء إلى الشيء مما لم يكن معه ، كقول العرب : الذود إلى الذّود إبل ، أي : مع الذود . بخلاف قولك : قدم فلان ومعه مال كثير ، فإنه لا يصلح أن يقال : وإليه مال ، وكذا قوله : قدم فلان مع أهله ، ولو قلت إلى أهله لم يصح ، وجعلوا من ذلك أيضا قوله :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ
[ النساء : 2 ] . وقد رد أبو البقاء كونها بمعنى : « مع » فقال : [ وقيل : هي بمعنى : « مع » ] « 2 » وليس بشيء ؛ فإن « إلى » لا تصلح أن تكون بمعنى « مع » ولا قياس يعضّده . وقيل : إن « إلى » بمعنى اللام أي من أنصاري للّه ؟ كقوله :
يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ، *
كذا
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 445 - 446 ) مطولا عن السدي . ( 2 ) سقط في أ .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 258 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب